وكتاب «التعريفات» للجرجاني (816ه) نموذج التحول كلية من الوافد إلى الموروث، واختفاء اليونان لحساب القرآن. ويمثل كتاب المصطلحات بعد فترة الانهيار في عصر الشروح والملخصات، مصادره العقائد وليست كتب الحكمة بالرغم من الاعتراف بأنها مأخوذة من كتب القوم، ومرتبة ترتيبا أبجديا إيذانا بالمعاجم والقواميس الحديثة ، معظمها تجميع أقوال مأخوذة عن العلماء والفقهاء والمتكلمين والصوفية، وعلماء النحو والصرف والبلاغة. ولا يظهر أي وافد باستثناء تعريف النفس بأنها كمال أول لجسم طبيعي آلي.
20
وفي تعريف المصطلحات يبين الجرجاني من أي علم. يوافق على بعضها ويختلف مع البعض الآخر، ويكون محايدا مع مجموعة ثالثة. يحكم على بعض التعريفات بالزيادة وعلى البعض الآخر بالنقصان. (8)
وقد وضع ابن عربي (638ه) لنفسه «معجم اصطلاحات الصوفية الواردة في الفتوحات المكية». ولأول مرة يضع مؤلف معجما لكتاب بمفرده من تأليفه؛ مما يدل على أن معاجم المصطلحات موضوع فلسفي وليس تاريخيا. المصطلحات عربية ولا يوجد مصطلح واحد معرب. ولا يذكر من أسماء الأعلام إلا علي بن أبي طالب بمناسبة الجبروت. وتذكر طريقة صوفية واحدة هي الملامتية تعريفا للأمناء، وآية قرآنية واحدة
كل يوم هو في شأن .
21 (9)
ويعتبر «كشاف اصطلاحات الفنون» للتهانوي (القرن الثاني عشر)، آخر معجم ما زال يمثل رؤية لتدوين المصطلح الفلسفي.
22
وهو أشبه بدائرة معارف مكونة من مقالات مطولة، وليس مجرد معجم مصطلحات للتعريفات، وهي مرتبة ترتيبا أبجديا كما هو الحال في المعاجم الحديثة. وتضطرب المقدمة «في بيان العلوم المدونة وما يتعلق بها» فمدخلها تقسيم العلوم، ويختلف عرض الأقسام إجمالا وتفصيلا. وتتدخل موضوعات أخرى داخل تقسيم العلوم مثل أجزاء العلوم، الموضوع والمسائل والمبادئ مع عرض الفرق بين المتقدمين والمتأخرين نظرا لتطور العلوم، ثم تعرض الرءوس الثمانية للحديث عن كل علم: الغاية والمنفعة، والسمة (اسم الكتاب) والمؤلف، والعلم، والمرتبة، والقسمة، والأنحاء التعليمية (التقسيم والتحليل)، والتحديد والبرهان، ويعرض أحد جانبي القسمة دون الآخر؛ فتعرض العلوم العربية دون غير العربية، والشرعية دون غير الشرعية، والحقيقية دون غير الحقيقية. ويتم الاعتماد على الآيات القرآنية والأحاديث النبوية. (10)
وخصص صدر الدين الشيرازي (1050ه) في آخر الجزء الثالث من السفر الأول من «الحكمة المتعالية»، خاتمة «في شرح الألفاظ المستعملة في هذا الكتاب»، وكما وضع ابن عربي لنفسه مصطلحات «الفتوحات المكية». وتضم خمسا وعشرين مصطلحا، كلها من الموروث في نظرية المعرفة. لا تعتمد إلا على الداخل مثل الرازي صاحب المباحث الشرقية، والشيخ الرئيس والمعتزلة من المتكلمين، والآيات القرآنية والأحاديث النبوية.
23
وهناك تجميع من مصادر أخرى غير معلنة، مثل الفارابي في رسالة «معاني العقل»، لتحديد الشيرازي معاني العقل المختلفة.
24
ويظن أنها مترادفة مع أنها متمايزة؛ فالغاية التمييز بين معاني المصطلحات المتشابهة.
25
ويتكرر لفظ الذكر مرتين: الأولى كصورة محفوظة والثانية كصورة زائلة. وقد يذكر في تحديد كل لفظ عدة آراء واعتراضات وردود؛ فالمصطلح عليه خلاف في المعنى حتى بعد استقرائه كلفظ.
26 (11)
وتنتهي معاجم المصطلحات الفلسفية في العصور المتأخرة بغياب الرؤية والهدف فكان المصير. مثال ذلك «الكليات» لأبي البقاء (1094ه). وهو معجم في المصطلحات والفروق اللغوية، أبجدي الترتيب، يطغى فيه الموروث كلية على الوافد، فهارس ألفاظ وآيات قرآنية وأحاديث نبوية، وأبيات شعر عودا إلى أصول الثقافة العربية قبل الإسلام وبعده، الشعر واللغة، والقرآن والحديث، وكأن الوافد اليوناني أصبح في الماضي البعيد، والحضارة الإسلامية في حاجة إلى رؤية جديدة، ودم جديد، ووافد جديد.