تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

110

كما أن قصة موسى في مراحل الوحي السابقة وفي ظرف تاريخي خاص لشعب معين، في مرحلة اليهودية والشخصية اليهودية والوعي الحسي اليهودي الذي يطلب الرؤية الحسية والإله الحسي والنعيم الحسي والبرهان الحسي. وهي تورد في مورد التهكم عليهم في إطار تطور مراحل الوحي، ولكن في نهاية الوحي وبعد اكتماله لا يعود الموضوع مطروحا. فالله لم يعد شخصه بل كلامه، وكلامه لا يرى بل يسمع ويطبق كنظام للعالم.

وهناك حجج نقلية أخرى بعيدة وغير مباشرة تتحدث عن الرؤية في الآخرة لا في الدنيا، وهي لغة مجازية صرفة تعني الرؤية، فيها الرحمة والثواب.

111

وأي تأويل آخر يحتاج إلى إثبات بدليل أو قرينة.

112

أما الأحاديث فإنها روايات يمكن الشك في صحة سندها كما يمكن تأويل متنها. معظمها أخبار آحاد معارضة بغيرها، توجب التشبيه وتعارض الحسي. وهي تورد في مورد التهكم عليهم في إطار تطور مراحل الوحي، ومجرى العادات. كما أنها تتضمن الجبر بالإضافة إلى التشبيه وبالتالي تعارض مبدأي التوحيد والعدل. رواتها من فرق المعارضة أو من جماعات الاضطهاد (الخوارج، الشيعة) من أجل تقريب الله لصفوفها في مواجهة تمثل السلطة القائمة لله وتمثيلها له، وبالتالي يكون القصد منها نزع السلاح من أيدي الخصوم، ودخول الرؤية في معارك السلطة والمعارضة.

113

تقع الأدلة النقلية كلها إذن في معارك تفسير النصوص، ولا يكون الحل هو حل التعارض بين النصوص، بل إرجاعها إلى مواقفها الاجتماعية والسياسية واستخداماتها في معارك السلطة والمعارضة. وما أسهل الاعتماد على الدليل الشرعي في مجتمع الشرع فيه سلطة وعلى النقل والرواية وأهل السنة هم الرواة، والفرق هم أهل الأهواء الذين لا تقبل رواياتهم ولا شهاداتهم، وعلى الإجماع على لذة النظر وهم أهل السنة والجماعة، والفرق أهل الكفر والضلال، وعلى قرائن أحوال الرسول، وكلهم إلى رسول الله منتسب، وعلى قول الصحابي وهو صاحب السلطة وقريب السلطان، مع أن قوله ليس مصدرا للتشريع، والأولى ألا يكون مصدرا للعقيدة.

114

والحقيقة أن آيات الرؤية في أصل الوحي لا تشير إلا إلى رؤية الأشياء الحسية أو رؤية ظواهر الطبيعة كآيات الله ، وتبين حدود الرؤية الإنسانية وخداع الحواس وأن الله لا يكون موضوعا للرؤية بل هو شرط الرؤية للأشياء. فهو ذات وليس موضوعا، شرط وليس مشروطا، يرى ولا يرى.

115

أما الحجج العقلية، فمنها حجج جدلية، مثلا: إذا كان الله يجعل الأشياء لنا مرئية، فليس من المعقول ألا يكون هو مرئيا من نفسه أو منا.

116

وتعتمد الحجة على أن الله شرط الرؤية كما يبدو ذلك من بعض الآيات. والحقيقة أن هذه الحجة تخلط بين الذات والموضوع. فالله ذات رائية وليس موضوعا مرئيا، ويتعامل مع ذات رائية، ممكنا إياها من الرؤية، فلا يتحول إلى موضوع لرؤيتها. كما أنها ليست الرؤية الغالبة. فالغالب أنا نرى الأشياء بأنفسنا. والله ليس موضوعا منقسما على نفسه، مرة ذاتا ومرة موضوعا. وقد تصاغ هذه الحجة الأولى بطريقة أخرى فيقال: إذا كان الباري رائيا لذاته وجب أن يراه غيره، وهذا في الحقيقة تصور للقسمة في الله وتحويله إلى ذات وموضوع، والله لا قسمة فيه. كما أن رؤية الذات لذاتها لا تعني بالضرورة رؤية الغير لها. فالإنسان لا يرى ذاته ولا ذات غيره، فالأولى ألا يرى ذات الله. الذات الخالصة لا ترى إلا من خلال الجسم، والله لا جسم له. والله ليس رائيا لذاته؛ لأن ذاك يحتاج إلى أن ينقسم إلى ذات وموضوع كما قال الحكماء: عقل، وعاقل، ومعقول. على أقصى تقدير يمكن رؤية ذات لذات أخرى عن طريق الغوص في شعور الآخر كما هو الحال بين الصديقين أو الحبيبين، أو بين الصوفي والله. ولكن الرؤية في هذه الحالة عن طريق الاتحاد وليس عن طريق المقابلة، كما أنها ليست رؤية بصرية بل اتحاد بالشعور. وقد تصاغ الحجة على نحو ثالث فيقال: إذا كان الله رائيا لغيره، فيجب أن يرى نفسه. والحقيقة أن رؤية الذات للغير لا تعني بالضرورة رؤية الغير للذات. وحتى إذا كان الله رائيا لنفسه، فإنه لا يمكن للغير أن يراه، إذ إن الشعور الجسمي غير قادر على رؤية الشعور الخالص نظرا لاختلاف مستويات الخالص. وهي في النهاية حجة قائمة على التمثيل. وهي مجرد افتراض نظري راجع إلى عمليات الشعور. فتصور الله رائيا للأشياء ولنفسه تشخيص لعمليات التأليه. وإعطاء المؤله القدرة على أن يرينا الأشياء تفخيم وتعظيم. والقياس باطل، «ما دام الله رائيا للأشياء فالأولى أن يكون موضوعا للرؤية»؛ لأن الذات لا تتحول إلى موضوع. وإحالة موضوع الرؤية إلى موضوع القدرة هو إحالة العقل إلى السلطة.

من العقيدة إلى الثورة (٢): التوحيد · الصفحة ٨٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من العقيدة إلى الثورة (٢): التوحيدص ٨٧