ثم ينتقل الدليل بعد ذلك من الأفعال إلى الأجسام، ومن الإرادة إلى الطبيعة لما كانت الأفعال أيضا أجساما وأعراضا، وهنا يتحول دليل الحدوث من الإنسان إلى الطبيعة ومن الأفعال الإرادية إلى الأجسام الطبيعية. وبدل أن يكون مجرد دليل عام من الأفعال إلى «الله» تتفصل خطواته في ثلاث: (1)
إثبات الأعراض، وهي على ضربين: مدرك وغير مدرك. والمدركة سبعة: الألوان، والطعوم، والروائح، والحرارة، والبرودة، والآلام ، والأصوات. ويثبت كل منها على التفصيل، وهي ليست نفس المحل على ما يقول نفاة الأعراض، ولكنها مخالفة لها، فالأجسام متماثلة والاختلاف في الأعراض. (2)
حدوث الأعراض، إذ يجوز عليها العدم والبطلان بعكس القديم. (3)
احتياجها إلى محدث وفاعل مخالف لنا وهو «الله»، وذلك قياسا للغالب على الشاهد.
ولما كان الاستدلال بالأجسام أولى لأنها معلومة باضطرار وليست باستدلال كما هو الحال في الأعراض، فإن العلم بكمال التوحيد يحصل بحدوث الأجسام. ولما كان الاستدلال بالأجسام يتضمن بالضرورة إثبات الأعراض وحدوثها، ظهرت ثلاث طرق للاستدلال بها على حدوث الأجسام، هي: (1)
الاستدلال بالأعراض على «الله» ومعرفته وتوحيده وعدله بعد معرفة صحة السمع ثم الاستدلال بالسمع على حدوث الأجسام. فهو دليل مركب بين السمع والعقل. (2)
الاستدلال بالأعراض ومعرفة قدمه ثم نفي القدم عن الأجسام منعا للمشاركة، مما يدل على أن المفاهيم المستعملة مفاهيم مشتركة بين الإنسان و«الله»، وأنها في أحدهما حقيقة وفي الآخر مجاز. (3)
الدلالة المعتمدة، وهي صيغة الدليل التقليدية، وهي أن الأجسام لم تنفك عن الحوادث، وما لم يخل عن الحوادث فهو محدث.
25
وهي مبنية على أربع دعاوى: (أ)
أن في الأجسام معاني هي: الاجتماع، والافتراق، والحركة، والسكون، ووصفها بأنها معان يجعلها أقرب إلى الفلسفة منها إلى الطبيعة. ويمكن الاعتراض عليها بسؤال: ولماذا لا يكون الجسم مجتمعا لذاته أو لوجوده أو لحدوثه طبقا لقانون؟ (ب)
أن هذه المعاني محدثة، ويعترض أصحاب الكمون والظهور الذين ذهبوا إلى قدم الاجتماع والافتراق، فإذا كمن الاجتماع ظهر الافتراق، وإذا كمن الافتراق ظهر الاجتماع. (ج)
أن الجسم لم ينفك عنها ولم يتقدمها، ويعترض أصحاب الهيولى الذين ذهبوا إلى أن الأعيان قديمة والتراكيب محدثة. (د)
أنها إذا لم ينفك عنها ولم يتقدمها وجب حدوثه مثلها، ويعترض جماعة عن طريق إثبات حوادث لا أول لها.
26
ويكشف الدليل بهذه الصورة وما يعتمد في كل مقدمة من مقدمات على تنازع الفكر الإنساني والفكر الطبيعي، وعلى تقدم الفكر الطبيعي على الفكر الإنساني حتى يصل إلى الأشاعرة ويصبح طبيعيا خالصا. وبالرغم من الاعتراضات عليه من أصحاب الفكر الطبيعي الخالص يظل الدليل بصرف النظر عما تبقى فيه من طابع إنساني عقلاني أقرب إلى دليل الأشاعرة من موقف الطبائعيين والحكماء.
ثم انتقل الدليل إلى الأشاعرة. وتفصلت مقدماته وتشعبت. يأتي البعض منها من شهادة الحس، والبعض الآخر من مسلمات دينية، نقلية أو عقلية، ومجموعة ثالثة مجرد تحصيل حاصل، ورابعة تعبر عن نظرة تدميرية للعالم، وخامسة لإثبات عجز الذات.
27
ومما لا شك فيه أن هذا الدليل، دليل الحدوث، له بعض المميزات منها: (1)
أنه دليل تجريبي يقوم على الحس والمشاهدة على الأقل في بعض مقدماته، وليس دليلا عقليا صوريا خالصا يمكن معارضته بدليل عقلي آخر طبقا لقواعد الجدل. وهي مشاهدة يتفق عليها الجميع. وقد كانت شهادة الحس إحدى وسائل المعرفة في نظرية العلم. فهو دليل يبدأ بالواقع الحسي المشاهد، وينتقل من الواقع إلى الفكر، دليل استقرائي تجريبي أو دليل بعدي، في حين أن الأدلة المعروفة والذائعة لإثبات وجود «الله» هي أدلة استنباطية تعتمد على صورية العقل ونظرية الاتساق. يبدأ هذا الدليل من العالم ويتفق مع بناء العالم، والانتقال من مبحث الجوهر والأعراض إلى إثبات الصانع.