تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

101

ويعترف المتكلم صراحة بأنه يستخدم الطبيعة من أجل إثبات وجود «الله» وليس لدراستها وتحليلها وفهمها على ما هي عليه من أجل السيطرة عليها واستخدامها والانتفاع بها في حياته العملية. الطبيعية لديه مجرد حامل لأفعال إرادة خارجية مشخصة، وتتلخص دراسة الطبيعة في البحث عن هذه الأفعال والاستدلال بها على فاعلها الأوحد. فهو استخدام رأسي للطبيعة، يذهب بها إلى ما بعد الطبيعة، وليس استخداما أفقيا للطبيعة يجعلها تاريخا حيا وعالما للإنسان يسكن فيه ويتصل مع الآخرين، ويحقق فيه رسالته. الطبيعيات إلهيات مقلوبة إلى أعلى كما أن الإلهيات طبيعيات مقلوبة إلى أسفل، فكل ما يصف به المتكلمون من حدوث للطبيعة إنما هو مقدمة للإلهيات الشائعة، وجود «الله»، الخلق من عدم. العالم حادث لأن «الله» قديم، والعرض في محل والجوهر في حيز لأن «الله» ليس في محل وغير متحيز. العالم فان لأن «الله» باق. العالم له أول لأن «الله» لا أول له. فكل ما يقال في وصف العالم إنما هي إلهيات مسبقة أو إلهيات مقلوبة بالرغم مما يبدو عليها من رؤى حية تعتمد على الحس والمشاهدة وأوليات العقل وبديهياته.

فإذا كان العقل قد انتهى إلى فراغ، والطبيعة إلى أنها إلهيات مقلوبة، يكون السؤال: هل هناك براهين نظرية على إثبات الذات أم أن البراهين عملية خالصة؟ إن براهين إثبات الذات إذا كان المقصود منها الذات الفردية فإنها ليست براهين نظرية بل تجارب وجدانية بديهية. الذات موجودة ومرادفة للشعور، والشعور هو الوعي بالذات، والوعي بالعالم، والوعي بالآخرين. وهذا هو الوعي الطبيعي الشرعي. أما إذا كان المقصود بالذات الذات الكلية، الحقيقة المطلقة، الوعي الشامل، فإن البراهين أيضا ليست براهين نظرية لإثبات حقائق شيئية، بل براهين عملية لتحقيق هذا الوعي المطلق في التاريخ والذي تحول على أيدي المتكلمين إلى وعي مشخص نتيجة لفقدان الوعي بالذات والوعي بالعالم، وحتى أصبح وعيا مزيفا. وهذا هو المقصود من ارتباط التوحيد عند القدماء بالمسائل العملية كالسياسة؛ لأن التوحيد مرتبط أشد الارتباط بمسائل تحقيق العقيدة والرسالة في التاريخ وليس بالموضوعات النظرية.

102 (7) هل يمكن العلم بالذات؟

قد يتصدر موضوع إمكانية العلم «بالله» مبحث الذات قبل الأدلة على وجود الصانع، وقد ينهي مبحث الذات. يمكن أن يأتي في البداية كسؤال عن إمكانية وصف الذات في ذاتها أو بالنسبة إلى غيرها في مظاهرها، وقد يأتي في النهاية كاستدراك.

103

وقد تظهر المسألة مع ذكر أوصاف الذات سواء قبل الحديث عنها أو بعدها. وقد تظهر أيضا كمسألة عن مبحث الماهية وإمكان معرفتها في نهاية مبحث الصفات والتساؤل عن عددها. وقد يتصدر مبحث الماهية مبحث الصفات بعد تقسيمها إلى سلبية وثبوتية، وتتصدر السلبية، فالصفات السلبية أول محاولة لإقامة بناء تصوري للذات عن طريق نفي صفات التشبيه مما يتضمن الإجابة من قبل باستحالة العلم بالذات.

104

وقد يلحق المبحث بالوجود كأول وصف للذات، وهو مبحث الماهية وإمكان معرفتها، وأنه ليس من البشر معرفة كنه «الله».

105

ولهذا السبب أيضا وضع في موضوع جواز الرؤية باعتبار أن الرؤية أحد مصادر العلم. فكلاهما مستحيل، الرؤية مستحيلة، والعلم بكنه «الله» مستحيل. ولكن لما كانت الرؤية أقرب إلى نفي المحل، فإنها وضعت في الاستحالة كأحد أحكام العقل الثلاثة. وكان يمكن أن يوضع إمكان العلم بالله أيضا في الاستحالة لولا أنه بدأ كمقدمة لوصف الذات أو كنهاية قد تدل على التقريب والمشاركة. والحقيقة أن هذا التساؤل الذي صدر به القدماء بحثهم عن الذات وأوصافها أو ختموا به بحثهم عن صفات الذات إنما يكشف عن رؤية علمية لجوهر الفكر الديني، وهو إلى أي حد يمكن اعتبار هذه الأوصاف والصفات تصف شيئا بالفعل في «الله»، أم أنها موقف إنساني خالص تقوم على قياس الغائب على الشاهد، وبالتالي قياس «الله» على الإنسان أوصافا وصفات؟ إلى أي حد يمكن اعتبار الإلهيات إلهيات بالفعل تصف موضوع «الله»، أم أنها إنسانيات مقلوبة تكشف عن ذات الإنسان؟ فإذا كان الاحتمال الأول هو الواقع يكون الفكر الديني قد أصاب موضوعه ورآه ووصل إليه وجودا ومعرفة. وإذا كان الاحتمال الثاني هو الواقع يكون الفكر الإنساني قد فرض نفسه وكشف عن جوهر الذات وهو أنها تخلق موضوعها عن ذاتها، فالموضوع هو الذات في مرحلة انعكاس الرؤية. وبالتالي يكون «الله» هو الذات التي تتحدث عن نفسها وتعلن عن وجودها للآخرين كمثال عندما يستحيل إثبات وجودها كواقع، فالاغتراب عن العالم هو بداية حديث الذات عن نفسها باعتبارها موضوعا، أي باعتبارها «إلها»، خارج العالم، ويكون الوعي بالعالم هو شرط حديث الذات عن نفسها باعتبارها ذاتا موجودا في العالم.

من العقيدة إلى الثورة (٢): التوحيد · الصفحة ٢٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من العقيدة إلى الثورة (٢): التوحيدص ٢٤