تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

47

وقد تعني الصفة نفي ضدها. وقد تنشأ الأسماء من نفي الضد. فالعالم ما ليس بجاهل، والقادر ما ليس بعاجز، والحي ما ليس بميت. وذلك يدل على أن تعريف الإيجاب يتم بالسلب، وأن أساس الثبوت هو النفي.

48

وهذا يصدق فقط على كل ما له حياة حيث يكون الضد هو الأساس. وإذا كانت الصفات مجازا لا حقيقة في الله، فمعناها نفي الضد. فهذا أقرب إلى فهم المجاز وأقرب إليه.

49

والحقيقة هو النفي والمجاز هو نفي النفي، وهو الإثبات.

وحرصا على التنزيه وعلى الاتساق المطلق في تصور الذات المشخص لأن الأضداد توحي بالحركة دون الثبات وبالنقص دون الكمال جعلت الأضداد من صفات الفعل لا من صفات الذات حتى تظل الذات موطنا للاتساق والوحدة الخالية من كل تضاد. فصفات الذات لا يجوز أن توصف الذات المشخصة بأضدادها في حين أن صفات الأفعال يجوز أن توصف الذات المشخصة بأضدادها وذلك لأن صفات الذات هي الصفات الجوهرية، وأضدادها نفي لها. فإذا كانت الذات المشخص عالم قادر حي فلا يتصور أن يكون جاهلا عاجزا ميتا. أما صفات الأفعال المتصلة بالعالم والتي تتعامل مع البشر وتدخل في علاقة مع الطبيعة فيمكن تصور أضدادها كالمحبة والكراهية والرضا والسخط.

50

فإن كان السؤال: هل يوصف الله بالضد؟ تكون الإجابة بالنفي لأن الضد موجود في الواقع، والصفات موجودة في الذات المشخص كتعويض عن العجز في الواقع وكتنزيه للذات المشخص عن صفات النقص.

51

ولكن كيف يمكن التوفيق بين نفي الضد عن الذات المشخص وبين إثبات القدرة المطلقة القادرة على فعل الضد حتى ولو كان مظهرا من مظاهر النقص؟ فالذات المشخص قادر على الجمع بين الأضداد.

52

ويؤثر البعض القدرة على الصفة المضادة، ويجعل الذات المشخص قادرا على فعل الصفة المضادة بل وقادرا بقدرة قديمة. فالله قادر على الظلم! ويؤثر البعض الآخر نفي مظاهر النقص التي تمثلها الصفات المضادة على إثبات القدرة على فعلها إيثارا للتنزيه على مستوى الكمال على القدرة المطلقة.

53

وقد ينتقل السؤال من فعل الصفات المضادة إلى مستوى القدرة على قلب الأسماء، فيكون: هل يجوز أن يقلب الله الأسماء؟ فالإجابة بالإثبات تؤثر القدرة المطلقة على اللغة وارتباط الأسماء بالمسميات، والإجابة بالنفي تؤثر الثبات اللغوي وارتباط الاسم بالمسمى حرصا على المعرفة الإنسانية وصحة الاتصال بين الأفراد عن طريق لغة متفق عليها.

54

فإذا كان السؤال وضعيا بصرف النظر عن الذات المشخص وقدرته على فعل الصفات المضادة أو على قلب الأسماء فإنه يكون: هل يجوز اليوم قلب الأسماء واللغة على ما هي عليه أم لا؟ فتتغير الأسماء إذا تغيرت هذه الاتفاقات والمواضعات. وهذا التغير يحدث طبقا للتغيرات الاجتماعية. ونفي هذا التعبير يثبت وجود الأسماء العامة بضرورة الذهن أو بضرورة الأشياء، وهي النظرة المثالية التي تجعل اللغة توقيفا لا وضعا.

55

والصفات المضادة ليست فقط على مستوى الأسماء كما هو الحال في التقليب في اللغة عندما يسمى الأسود أبيض، والعالم جاهلا، والطويل قصيرا، والبدين رفيعا، بل أيضا على مستوى القلب الشعوري.

56

فضلا عن أن التقليب في اللغة ليس مجرد تغيير في الأسماء ، بل يقوم بوظيفة فنية في الرسم المضحك للشخصيات.

والتضاد كالاتساق والانسجام والتآلف، مكون من مكونات الحياة الإنسانية. هناك تضاد في الإحساسات، سواء ما يتعلق منها بالمرئيات كالمضيء والمظلم أو الألوان كالأبيض والأسود أو الأحجام كالصغير والكبير أو الأطوال كالطويل والقصير أو الأوزان كالخفيف والثقيل أو الأصوات كالضعيف والقوي، والحاد والغليظ، أو المشمومات كالكريه والحسن أو المذوقات كالحلو والمر أو الملموسات كالخشن والناعم. وهو ما حاول الطبائعيون القدماء تصنيفه، إما في دراسة العناصر الأربعة وتأليفها أو دراسة علم النفس من حيث اتصالها بالبدن ومن حيث إنها ظاهرة طبيعية.

من العقيدة إلى الثورة (٢): التوحيد · الصفحة ١٩٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من العقيدة إلى الثورة (٢): التوحيدص ١٩٧