تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

33 (7)

تفسير شيء بشيء آخر يحتاج إلى تفسير: وذلك أيضا نوع من تفسير شيء معلوم بشيء مجهول. ولكن المجهول هنا ليس على الإطلاق، بل مجهول يمكن معرفته بشيء آخر لا يكون هو الشيء الأول وإلا وقعنا في الدور من جديد. فإذا قلنا مثلا: «المقتول ميت بأجله» يكون السؤال: وما هو الأجل؟ فهذا وضع لسؤال خاطئ ثم هروب من الإجابة إلى عواطف الإيمان. وكل سؤال يضعه العقل وضعا خاطئا نتيجة لاغتراب الإنسان في العالم فإنه لا يجد له إجابة إلا بالغوص في عواطف الإيمان. فالإجابة العقلية تستدعي تصحيح السؤال الخاطئ وذلك بالعود إلى العالم وقضاء على الاغتراب فيه.

34 (8)

السجع العقلي: ويعني ذلك صياغة عدة عبارات لا تدل على شيء، والتي هي أقرب إلى «المط» اللغوي منها إلى العبارات التي تفيد معنى، وكأن الألفاظ ليس لها ثمن يمكن الاستكثار منها بلا حساب، مثل اليد التي يمسك بها. ففيم اليد إن لم تكن للمسك بها؟ أو مثل: مكتوب في مصاحفنا. وأين الكتابة إن لم تكن في المصاحف؟ أو مثل: الحي الذي لا يموت. وماذا يفيد الحي إن لم يكن الذي لا يموت؟ هذا التكرار هو السجع العقلي، أي الرغبة في قول شيء دون أن يكون هناك شيء يقال، فيستخرج من العبارة بطنها وجوفها وأحشاؤها دون أن تضيف جديدا على العبارة الأولى.

35 (9)

السجع اللغوي: ويعني ذلك صياغة عدة قضايا تقوم على الاشتقاق اللغوي من أجل إكمال عناصر القضية دون إفادة أي معنى، مثلا: «يعدم المعدوم في حال عدمه معدوما» عبارة لم تقل شيئا إلا أنها اشتقت من لفظ «عدم» اسم مفعول واسم فعل من أجل صياغة قضية مركبة. هنا يدور الفكر على نفسه باستعمال الألفاظ.

36

فإذا ما ضاقت اللغة العادية تشتق لغة غريبة وألفاظ جديدة غير الألفاظ الشائعة كي توحي بأنها تعبر عن معاني جديدة وهي لا تعبر عن شيء، وكأن اللفظ الجديد بنفسه قادر على كشف معاني جديدة وذلك مثل الكيفوفية والحيثوثية والأحموقية وهي لا تزيد كثيرا عن الكيف أو الكيفية والحيث والحيثية والأحمق أو الحمق. وهو ما زال سائدا في فكرنا المعاصر خاصة عند مفكري الشام.

37 (10)

الخلط بين الأسماء: ويعني ذلك افتراض أن الأسماء قد اختلطت، وأن كل اسم يفيد مسمى آخر، ومن ثم يجب أن يحل إشكال الأسماء. فمثلا بالنسبة إلى الصفات يسأل: هل تفيد كل صفة معناها أم أنها تفيد معنى غيرها؟ هل تتغاير الصفات؟ هل تعني حي قادرا أو تعني قادر حيا ؟ هذا نوع من المشاكل الوهمية التي يخلقها المتكلم من أجل خلق فرصة يعبر به عن نشاطه العقلي المختزن وراء عواطف التأليه. كيف تكون الحياة هي القدرة حين يسأل هل معنى حي أنه قادر؟ هل الصفات متغايرة أو واحدة؟ وإذا كانت واحدة فلم تغايرت الأسماء؟ فإثبات الوحدة يعطي الفرصة لأن يكون المؤله أعظم من البشر الذين تتغاير لديهم الصفات وإثبات التغاير بديهية لا تحتاج إلى تأكيد.

38 (11)

تجاوز الممكن إلى المستحيل: وهنا يقوم العقل بافتراض شيء ممكن ويتساءل إذا كان المؤله قادرا عليه أو على جنسه. وبطبيعة الحال تكون الإجابة بالإثبات ليس فقط لأنه قادر عليه فالقدرة على الممكن أمر سهل بل لإثبات تدخل القدرة المطلقة في كل شيء حتى في الممكنات الإنسانية المحضة.

39

فالإثبات هنا يقوم على عدم الاكتفاء بالحد الأدنى والذهاب إلى الحد الأعلى حتى يثبت الحد الأدنى بطريق الأولى. والقدرة على المستحيل تثبت القدرة على الممكن بطريق الأولى. فالاستدلال هنا يأتي من الأعلى إلى الأدنى، من الأكثر إلى الأقل. (12)

تجاوز المستحيل: ويعني ذلك وضع عدة مشاكل تدل على الاستحالة على الأقل بالنسبة إلى الإنسان، ثم تجاوزها للتعبير عن أقصى قدر ممكن من عواطف التأليه. وتكون المستحيلات مثل العلم بالأشياء قبل كونها، الجمع بين الأضداد، القدرة على الظلم وهو افتراض تناقض بين النظر والعمل أو بين الفكر والوجود. فيمكن السؤال مثلا: هل يطير الإنسان؟ وتكون الإجابة بالطبع لا. وتكون النتيجة ولكن الله يطير. أو مثل هل يستطيع الإنسان أن يعلم ما لا يكون؟ فتكون الإجابة بالطبع لا. وتكون النتيجة ولكن الله قادر على علم ما لا يكون. هذه العبارات من شأنها الاعتراف بالعجز الإنساني من أجل إثبات قدرة المؤله المطلقة. والمطلوب إجابة تعبر عن عواطف التعظيم والإجلال، وليست إجابة عقلية عن مشكلة واقعية.

من العقيدة إلى الثورة (٢): التوحيد · الصفحة ١٩٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من العقيدة إلى الثورة (٢): التوحيدص ١٩٤