تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

257

وقد تسمى المعاني في النفس بعد الألفاظ فكر، وتسمى القدرة التي عنها يصدر الفعل قوة مفكرة.

258

والكلام إما أن يكون عبارات وألفاظا وقضايا أو نطاقا أي منطقا خالصا للكليات والجزئيات والقياس والبرهان.

259

وقد يتطور الأمر ويتحول الكلام النفسي إلى إثبات النفس نظرا للسيادة الفلسفية على الكلام ابتداء من القرنين السادس والسابع، ويصبح الموضوع إثبات أن النفس جوهر روحاني، ويتحول الكلام إلى التحليل لمضمون النفس وقواها وملكاتها علما وإرادة، وإيراد البراهين على أن النفس ليست بجسم ولا تنقسم، وامتياز النفس الإنسانية على سائر الأجسام، وتحليل استعداداتها وأمزجتها، والردود على الاعتراضات بالنسبة للحد والرسم أو خواص أفعالها أو إدراكاتها وأحوالها وكأن الموضوع قد انقلب إلى حديث في علم النفس الخالص.

260

أما الباعث فينتج عن أن الكلام ليس معنى فقط أي علما بلا إرادة. فالكلام النفسي يشمل ثلاثة جوانب، الذهني أي المفهوم وهو العلم، والعملي أي الإرادة والفعل، ثم الوجداني أي الباعث والدافع سواء كعلة فاعلة أو القصد والهدف كعلة غائية. المعاني في النفس غير إرادة المتكلم وإن كنا متلازمين. كلام النفس يظهر في الإرادة، فالكلام توجه وفعل. والوحي أصلا موجه إلى الشعور، والشعور طرف له، ويتحقق بالفعل والعالم مصب له. تتحول ماهية الشعور إلى فكر يجمع بين الذهن والشعور والواقع. يتحول الوحي إلى أيديولوجية نظرية إنسانية لأنها نتاج التجربة الإنسانية وعلمية لأنها مستمدة من الواقع. ثم تتحول الأيديولوجية إلى نظام للواقع، ويصبح الكلام هنا وجودا واقعيا كنظام اجتماعي وبناء إنساني تكتمل فيه الطبيعة وتجد كمالها. يحدث هذا التحول بفعل الإنسان وبحركة الجماهير. هو تحول ممكن مشروط بوجود الإنسان وبقدرته على الجهد وتنظيم الفعل وتوجيهه وتحريك الواقع به. وجود الكلام كبناء للواقع هو البديل الوحيد لما ظنه القدماء على أنه صيغة ثابتة في ذات مشخص.

261

ولا يتفاضل الكلام طبقا لموضوعاته وطبقا لدرجات الشرف والعظمة والجلال، بل إنه يحتوي على مجموعة من المبادئ يتمثلها العقل وتتحول إلى بواعث وسلوك وعمل بشري قبل أن تصبح اجتماعية.

262 (6-6) صيغ الكلام

مضمون الوحي توجيهات للإنسان في صيغ الكلام.

263

وهنا يبدو الكلام باعتباره لغة وقضايا ومنها تخرج المعاني، وتنشأ البواعث، وتظهر وحدة الكلام وكثرته. ففي نفس الوقت الذي يتصارع فيه المتكلمون حول قدم القرآن وحدوثه كصفة أزلية فيكشفون عن اغترابهم عن العالم تظهر تحليلات طبيعية عن وعيهم بالعالم الشرعي في وحدة الكلام وكثرته، أي صياغات الكلام، مثل الأمر والنهي والخبر والاستفهام والتعجب، وكأن تعدد الصياغات لا تنال إلا من وحدة الكلام. وهو تناول لموضوع الكلام تناولا إنسانيا علميا واقعيا عمليا، هذا الكلام الحسي المقروء المكتوب المفهوم المحفوظ المحرك لسلوك الأفراد والجماعات تنطبق عليه قواعد اللغة العربية وصيغ الكلام فيها، ولكن ضاع هذا التحليل الجزئي في خضم المشكلة الكبرى وهي قدم الكلام وحدوثه «خلق القرآن». وبالرغم من الخلاف حول عدد صيغ الكلام ست أو خمس أو ثلاث أو اثنتان أو واحدة إلا أنه يكفي انتقال الموضوع من علم العقائد إلى علم التوحيد.

وصيغ الكلام ست: الأمر والنهي، والخبر والاستخبار، والوعد والوعيد. ولكن لما كان الخبر والاستخبار في النهاية خبرا لما كان الاستخبار غير متصور في حق الله، بل يرجع إلى التقدير وهو نوع من الأخبار مثل:

ألست بربكم قالوا بلى ، فقد تصبح الصيغ خمسا. وقد يسقط الوعد والوعيد، ويحل محلهما الدعاء والنداء. وقد ترد الصيغ إلى ثلاث، فالنهي عكس الأمر، والوعيد عكس الوعد، والخبر والاستخبار واحد. وقد ترد إلى صيغتين طلب فعل أو اقتضاء يشمل الأمر والنهي والوعيد ثم الخبر. وقد ترد الصيغ كلها إلى واحدة هي الأمر. وقد يزاد في الأمر والنهي الندب وأمر الإيجاب ونهي التنزيه ونهي التحريم. وفي كل قسم من الخبر والاستخبار أقسام مثل الخبر عن الماضي والمستقبل والمواجهة والمغايبة. وينتهي الأمر إلى تحليل صيغ الكلام وكأنها صيغ أفعال، فالكلام فعل. وقد تضاف مباحث لغوية أخرى مستمدة من علم أصول الفقه مثل العموم والخصوص والمجمل والمفسر والناسخ والمنسوخ،

من العقيدة إلى الثورة (٢): التوحيد · الصفحة ١٦١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من العقيدة إلى الثورة (٢): التوحيدص ١٦١