أما العقل فإنه يعتمد على عدة حجج أولها حجة الكمال. فالسمع والبصر والكلام مظاهر كمال، والصمم والعمى والخرس مظاهر نقص. فلو لم يكن الباري موصوفا بها لكان الإنسان أكمل منه فوجب أن يكون الباري سميعا بصيرا متكلما بلا صماخ وحدقة ولسان. وهنا يقوم الشعور بإثبات شيء بطريق التشبيه ثم نفيه بطريق التنزيه أو إثبات الشيء عن طريق نفي الضد، وإثبات الكمال عن طريق نفي العيب.
164
وقد يثبت الكلام بكلام النفس قياسا للغائب على الشاهد مما يدل على أن الإنسان لا يتحدث عن الكلام إلا وفي ذهنه كلامه، وكأن الكلام على الإطلاق تجريد لكلامه الخاص، وتحويل للواقع إلى مثال.
165
وقد يثبت الكلام عن طريق الأحكام. فأفعال العباد مترددة بين الحظر والإباحة والندب والوجوب. واختصاصها بهذه الأحكام يستدعي مخصصا، وليست كذلك إرادة الله لأن الله قد يأمر بما لا يريد، وهذا المخصص هو الكلام.
166
ولما كان الله ملكا مطاعا، وكان له الأمر والنهي فإن ذلك يستلزم بالضرورة الكلام.
167
وقد رد الحكماء على حجة الطاعة بأن ذلك يستلزم التصديق. وكيف يمكن الرد على منكرها والجاحد لصدقها في نفسها؟ أليس ذلك نقلا لموضوع الكلام إلى موضوع آخر هو النبوة؟ وأخيرا إذا دلت الأفعال من حيث إتقانها على العلم، ويستحيل أن يعلم الله شيئا ولا يخبر عنه، والله يصح منه الإرشاد والتنبيه والتعليم والإخبار، فوجب أن يكون له كلام. وهي حجة قائمة على جواز انبعاث الرسل، وبالتالي تقوم على شيء مطلوب إثباته.
168
والحقيقة أن إثبات الكلام بالإرادة أو بالقدرة أو بالعلم أو حتى بكلام النفس إثبات ضعيف. فالإرادة إما للامتثال أو لإحداث الصيغة أو لجعلها دالة على الأمر. والأول يعارضه أبو جهل وإبراهيم يذبح ولده، والقدرة معنى يتعلق بكل ممكن، والإرادة أخص، والعلم أعم من الأمر، وأحاديث النفس مرتبطة باللسان.
169
والحقيقة أن الكلام ليس في حاجة إلى إثبات إنما الإشكال في إثبات كلام من؟ إن الكلام الإنساني يفرض نفسه، والوحي ذاته كلام بلغة الإنسان، وصيغه صيغ الكلام الإنساني، أمر ونهي وخبر.
170
وليس إثبات الكلام أو نفيه مجرد وقوع في التشبيه أو حرصا على التنزيه، بل إن الأمر يتعلق بالكلام نفسه. فإن إثبات الكلام كصفة للتأليه المشخص يوقع في التشبيه، ويعطي الأولوية للذات المشخصة على الصفة ثم للصفة على الكلام.
171
وأن نفي الكلام إثبات للتنزيه لأن الكلام يؤدي إلى الانفعال، والانفعال نقص في التنزيه على مستوى الكمال ونفور من التشخيص. فالكلام فعل وانفعال وحركة. الكلام لا صلة له بالذات المشخصة، بل هو من فعل الطباع.
172
فنفي الكلام إذن قضاء على الاغتراب وعود إلى الكلام الإنساني، ورد الوعي إلى ذاته مدركا ومتكلما، وإعمال للعقل بدل الوهم، ورؤية للواقع لا للخيال.
وقد يكون هناك حل وسط بين إثبات الكلام ونفيه، وجعل الكلام صفة فعل لا صفة ذات، فالتأليه المشخص لا يتكلم، بل هو متكلم.
173
ومن ثم يمكن إثبات الصفة دون الوقوع في التشبيه. وصفة الفعل توحي بأن الكلام ذو اتجاه واحد، وهو قصد من الذات نحو الآخر دون القضاء التام على التشخيص؛ لأن الذات المؤلهة ما زالت موجودة. وقد تنقلب الآية فلا يصبح التأليه المشخص متكلما أو مكلما، بل يصبح متكلما بكلام غيره، ومكلما لغيره، أي أنه يصبح محلا للحوادث كسائر المتكلمين.
174
والحقيقة أن هذا وضع خاطئ للمشكلة. فالكلام لا ينسب إلى شخص المتكلم أو حتى إلى السامع، بل يدرس في نفسه. لا يحتاج الأمر إلى افتراض شخص متكلم؛ لأن الكلام موجود بالفعل بدليل الوحي. لا يهم أن يكون الوحي كلام شخص، بل هو مجرد كلام. والذهن البشري يبحث بعد واقعة الكلام وليس قبلها. المقصود من الكلام هو اتجاه الكلام وغايته وليس مصدره وأصله، على عكس الصوفية الذين أرادوا بالتأويل إرجاع الكلام إلى مصدره الأول في شخص المؤله. لا يدل الوحي على أن هناك متكلما، بل على أن هناك مستمعا. ما يهمنا ليس هو الإلهيات، بل الإنسانيات، أي فهم الكلام كمقصد أو اتجاه نحو الإنسان. والشخص نفسه لا يعرف إلا من خلال الكلام؛ لأن الكلام يشير إلى تشخيص عواطف التأليه. الكلام هو نقطة البداية لا الشخص، وأن ما يطرق الأذن هي الكلمة لا الشخص الذي تفوه بالكلمة. الكلمة موجودة بفعل طرق الأذن، ولكن الشخص قد يكون وراء ستار أو متحدثا عن بعد. وأن التحول في تاريخ العقائد إنما يكون باستمرار من الكلمة إلى الشخص كما تم في تاريخ العقائد المسيحية وتفسير معنى الكلمة.