وقد يبدأ الكلام أول الرباعي نظرا لأهمية الكلام على السمع والبصر والإرادة، فيتصدر الرباعي. وقد يعقد له فصل خاص مع الإرادة باعتبارها أهم من السمع والبصر، ولكن يغلب عليها نظرا لأهميته، في حين توضع باقي الصفات حتى العلم والقدرة والحياة متداخلة مع باقي أوصاف الذات ودليل الحدوث والإعادة. وقد يظهر الكلام ضد نفاته من دعاة خلق القرآن، والإرادة ضد نفاتها من دعاة حرية الأفعال، ويثبت السمع والبصر مع اليدين والوجه وباقي صفات التشبيه مما يدل على اقتراب هاتين الصفتين بصفات التشبيه. وقد يبدأ الرباعي بالإرادة نظرا لأهميتها في حرية الأفعال، فتتصدر الإرادة.
62
والرباعي: السمع والبصر والكلام والإرادة، صفات مطلقة كالثلاثي. وإذا كانت توحي بالتشبيه فإن التشبيه في الحقيقة لا يعني الصفات الحسية بل الصفات كصور فنية للتعبير عن معاني. الرباعي أقرب إلى وسيلة التعبير منه إلى الشيء المعبر نفسه. وسيلة التعبير هي الصورة الفنية في حين أن الشيء المعبر عنه هو المعني، وقد استطاع التنزيه حقا التمييز بين أسلوب الوحي ومضمونه، ورفض اعتبار التصوير، وهو أسلوب التعبير في الوحي، هو المضمون نفسه.
لذلك كان علماء البلاغة والنقد الأدبي أصدق في حديثهم عن أساليب الاستعارة والكناية، وكذلك علماء القرآن في حديثهم عن التخييل من المتكلمين. فالوحي لا يعطي أحكاما على وقائع بل يعطي إيحاءات للتأثير على النفوس. أحكام الوحي ليست أحكاما طبيعية، بل أحكام شعورية. ولا يعني صدق الوحي إعطاء وصف للتاريخ الموضوعي بل استخلاص المعنى المستفاد منه، أي أنه يعطي معاني مستقلة لا حوادث مادية. وقد حاول الفلاسفة من قبل نفس الشيء عندما تحدثوا عن ضرورة التأويل حتى يتفق النص مع العقل والحقائق الإنسانية العامة. السمع والبصر والكلام توجد كصور فنية في الوجه. فالوجه أو الرأس يحتوي على الأذن والعين والفم، وليس ذلك بأولى من الذوق والشم واللمس. فهل السمع والبصر أقدر على الإدراك من اللمس والذوق والشم؟ هل الفنون السمعية والبصرية، الموسيقى والشعر أو التصوير والرسم والنحت والعمارة والزخرفة أقرب إلى النفس من فنون الطعوم والروائح والملموسات؟ هل أولوية السمع والبصر في الترتيب تعطي أولوية للفنون السمعية على الفنون البصرية؟ أليس الكلام سمعا؟ وماذا عن باقي أعضاء البدن كوسيلة للكلام إما بتعبيرات الوجه أو بحركات اليدين كما هو الحال في فن الإيحاء ولغة البدن؟
63 (2) العلم
بالرغم من استقرار العلم على أنه أول صفة في السباعي، وبالتالي في الثلاثي، إلا أنه يظهر أحيانا مع أوصاف الذات.
64
كما يظهر مع الأوصاف الستة الأخرى (باستثناء الكلام) ضمن الأوصاف.
65
ويظهر بمفرده في معرض إثبات الصفات بعد الكلام وقبل الإرادة.
66
وقد يظهر على أنه ثاني صفة في الثلاثي والسباعي معا بعد القدرة أو بعد الحياة.
67
ويظهر كثالث صفة في السباعي والثلاثي معا: القدرة والحياة والعلم أو القدرة والإرادة والعلم.
68
ومع ذلك استقر العلم على أنه الصفة الأولى حتى في حالة غياب العد والإحصاء أو حتى في حكم نفي الصفات.
69
ويظهر في المؤلفات المتأخرة على أنه الصفة الوحيدة في الثلاثي التي تستحق معالجتها في فصل مستقل؛ لإثبات أنه أزلي واحد، متعلق بجميع المعلومات على التفصيل، كلياتها وجزئياتها.
70
وقد عرض القدماء لعدة مسائل في العلم مثل معرفة الله لذاته، ومعرفته لغيره، سواء الجزئيات اللامتناهية أو الكليات المتناهية، والأدلة على العلم عند الحكماء والمتكلمين. فقد سأل القدماء هل يعلم الله ذاته؟ العلم هنا متجه نحو الذات، أي أنه علم بالذات لذاتها، وليس علما بموضوع خارج عنها، الذات ذات وموضوع. فالإجابة بالنفي تقوم على أن العلم أعراض. فلو علم ذاته لكانت مضافة إلى نفسه، وإضافة الشيء إلى نفسه محال. ولكن الوعي بالذات ممكن وقائم، وعي الذات بالذات لا يستحيل، ولا يدل ذلك على قسمة بل على درجة من الذاتية فتنبثق الموضوعية منها. والإجابة بالإيجاب تجعل علم المؤله المشخص بذاته أليق، فكيف بعالم لا يعلم ذاته؟ هناك علم من ناحية وذات من ناحية أخرى. ولما كان العلم مطلقا فإنه يشمل العلم بالذات. وكيف بعالم يعلم الخارج ولا يعلم ذاته؟ بل إن العالم بالذات شرط العلم بالعالم الخارجي.