تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

48

لماذا يكون الفاعل المختار غير الإنسان؟ ليس المهم إثبات قدرة الإنسان على خلق الشيء بل قدرته على تغيير بنائه، فالأشياء موجودة، والإنسان قادر على تغيير بنائها الاجتماعي والسياسي، فالأعراض نوعان: الأولى خارج القدرة ولكن الثانية داخلة في نطاق القدرة. وفي حقيقة الأمر ينتهي دليل الحدوث إلى نزع قدرة الإنسان على الفعل ولا يثبت قدرة الآخر عليه. فإذا لم تثبت قدرة الإنسان فكيف يتمخض الفيل فيلد ذبابة؟ وإذا كان موضوع القدرة على الفعل تصادم قدرة الصانع مع قدرة المصنوع فتضيع قدرة المصنوع من أجل إثبات قدرة الصانع. ولما كان الصانع قد صنع كل شيء، وبالتالي فهو قادر عليه، يكون إثبات القدرة جزءا من الكل، وتحصيل حاصل، ولا يأتي بجديد، لأنه متضمن في إثبات الصنعة، والقدرة جزء منها، فضاع وجود الشيء أولا من أجل إثبات وجود «الله»، ثم ضاعت قدرة الشيء ثانيا من أجل إثبات قدرة «الله». (3) حدوث العالم

وقد يتحول دليل الحدوث من مجرد دليل لإثبات الصانع أو واجب الوجود إلى موضوع ميتافيزيقي مستقل عن حدوث العالم وقدمه ذاتا وصفات في بناء رباعي يضع احتمالات أربعة: قدم الذات والصفات، حدوث الذات والصفات، حدوث الذات وقدم الصفات، قدم الذات وحدوث الصفات. الأول اختيار الحكماء، والثاني اختيار المتكلمين خاصة الأشاعرة منهم كرد فعل على الاختيار الأول واتهام أصحابه بأنهم ملاحدة، والثالث مستحيل عقلا لاستحالة أن تكون الجواهر حادثة والأعراض قديمة بدليل الأولى، والرابع تصور الطبائعيين من المعتزلة، وهو أقرب إلى التصور الطبيعي الذي يجعل الجواهر قديمة ثم تظهر فيها الصفات عن طريق الطفرة أو الكمون فتبدو حادثة بمعنى التحقق من القوة إلى الفعل.

49

وقد ظهر الموضوع من قبل نظرا لأهميته في نظرية الوجود، سواء في «ميتافيزيقا الوجود» أي «الأمور الاعتبارية» في مفهومي القدم والحدوث أو في «أنطولوجيا الوجود» في «الجواهر» في عوارض الأجسام. ولما كان كل فريق يقوم بإبطال قول الخصم ثم بإثبات قوله الخاص، فيقوم أنصار الحدوث بإبطال قدم العالم ثم إثبات حدوثه كما يقوم أنصار القدم بإيراد الشبهات على حدوث العالم كي يثبت قدمه.

50

ويعتمد الأشاعرة لإبطال القدم على إثبات استحالة وجود حادث لا أول لها واستحالة وجود أجسام لا تتناهى في المكان؛ وذلك لأن الحادث هو الوجود الذي له أول وله نهاية.

51

وفي حقيقة الأمر أن هذا تحصيل حاصل أو دور منطقي؛ لأنه إثبات الموضوع بالمحمول والمحمول بالموضوع، فالحادث ما لا أول له ولا نهاية ولما أول له ولا نهاية هو الحادث. كما أنه خلط بين الأول والنهاية كجسم في المكان وبين الأول والنهاية كأجسام متصلة أو كمادة مستمرة بصرف النظر عن قسمتها إلى أجسام. أما إثبات الحدوث فإنه عادة ما يكون بإبطال قول الخصم، أي بإبطال حجج القدم ولا يكون دليلا إيجابيا، وهو بالتالي يعود إلى المسلك الأول. وإثبات أن لو كان الجسم أزليا لكان إما ساكنا أو متحركا، وكلاهما باطل هو مجرد افتراض خالص؛ لأن الحركة والسكون لا تكون إلا للأجسام الحادثة وليس للأزلية، وبالتالي فالحجة تقوم على إسقاط تصورات الحدوث على القدم وقياس الغائب على الشاهد، وهو منطق الفكر الديني.

52

وقد يثبت حدوث العالم عن طريق إثبات تناهي النفوس الإنسانية عددا، وتناهي الأشخاص الإنسانية، وحدوث الأمزجة وتناهيها، وتناهي الحركات الدورية للعناصر، وتناهي المتحركات والحركات السماوية، وهي كلها افتراضات صرفة تعبر عن إيمان ديني مسبق وتحتاج إلى إثبات. فما الدليل على تناهي النفوس والأشخاص والحركات؟

53

وقد يثبت الحدوث ابتداء من تحليل الأفعال الإنسانية والسلوك البشري والانتهاء إلى أنها محتاجة إلى بواعث ومقاصد وإرادات، وبالتالي فهي ليست أفعال ذاتها. وفي حقيقة الأمر أن ذلك يثبت البواعث والمقاصد ولا يثبت شيئا آخر خلافها. ولا يثبت حدوثا أو قدما، بل قد يثبت بقاء للأفعال بعد تحققها في العالم، وبقائها فيه.

من العقيدة إلى الثورة (٢): التوحيد · الصفحة ١٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من العقيدة إلى الثورة (٢): التوحيدص ١٢