تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

27

وإلى هذا الحد يتهم نافي الصفات بالزندقة والكفر كتهمة سياسية، كما يتهم بالتعطيل كتهمة فكرية مع أن النفي ليس تعطيلا، بل إبعاد للتشبيه دفاعا عن التنزيه، سواء كان التعطيل في الصفات أم التعطيل في النصوص بالتأويل.

28

ولا يرجع نفي الصفات إلى أية مؤثرات لفظية دخيلة، بل يخضع لضرورة عقلية داخلية دفاعا عن التوحيد العقلي في صورة التنزيه. ولا ضير أن تتبع حضارات أخرى لدوافع مماثلة ومختلفة لنفس الضرورة. فإذا كان التوحيد العقلي اليوناني أحد متطلبات العقل، فإن التوحيد العقلي الأصولي أحد متطلبات التنزيه. وهو عمل العقل في الوحي. والألفاظ مشاعة بين الجميع، خاصة بعد التقاء الحضارتين. ولم تعد مرتبطة بحضارتها الأصلية، ولو قبلت في الحضارات الأخرى لرفضت ونفدت مثل زيوس وبوزيدون وسائر آلهة اليونان. لقد عرضت الألفاظ على العقل أولا وقبلها العقل ثانيا، لأنها تساعد على التعبير عن التوحيد العقلي. وهذا لا يعني تقليدا أو تبعية، ولا يعني أثرا وتأثرا، بل تمثلا وامتدادا وتحضيرا.

29

إن اتهام كل موقف معارض بأنه من أثر خارجي هو تفريغ للإبداع الذاتي للمعارضة وأصالتها الفكرية. ولكل بيئة ثقافية استقلالها الفكري ومصادرها الخاصة. والتشابه الخارجي لا يعني بالضرورة التبعية الداخلية. وقد يرجع البعض الآخر نفي الصفات إلى مؤثرات داخلية من علوم الحكمة. وهذا أيضا غير صحيح، إذ يخضع نفي الصفات إلى مقتضيات عقلية خالصة، هي تلك التي تخضع لها علوم الحكمة وهي التي اقتضت من كلا العلمين وأصحابهما، المعتزلة والحكماء، إلى الانتهاء إلى نفس التوحيد العقلي. قد يوحي بذلك رد علم أصول الدين على علوم الحكمة في علم الكلام المتأخر واستعماله لغتها، ولكن الحقيقة أن الحكماء لا تنفي صفات التنزيه، ولكنها تنكر صفات التشبيه. فالحكماء يثبتون صفات العلم والقدرة والإرادة ... إلخ، ولكنها تكون عين الذات، وكلاهما في مقولة واجب الوجود.

30

ويبدو من تطابق التوحيد الفلسفي مع التوحيد الاعتزالي أن كليهما قائم على العقل ولا يعني بالضرورة تأثير الفلاسفة على المتكلمين.

وهناك عدة صياغات لحكم النفي طبقا لدوافعه. عندما يقال مثلا: حي عالم قادر لنفسه. والنفي هنا يأتي من الذات ورفضها للتعدد بالصفات. وقد يأتي النفي لكونه على حالة هي أخص صفاته، الحالة التي توجب له صفاته، والنفي هنا يأتي من إثبات الأحوال. فإن قيل: الباري عالم قادر حي لا لعلل ولا لنفسه، فالنفي هنا بلا دافع من الذات أو الحال أو العلة، وهو النفي الأولى أو النفي الأصلي. وفي هذه الحالة يظهر بصراحة، فيقال عالم لا بعلم، قادر لا بقدرة، حي لا بحياة، تأكيدا على النفي بحرف النفي، كما يؤكد الإثبات على الإثبات بحرف الجر في عالم بعلم، وقادر بقدرة، وحي بحياة. والعجيب أنه يمكن نفي الصفات عن طريق إثبات قدمها، فيقال مثلا: إن الله لم يزل عالما، وما دامت فقد شاركت الذات في الوصف وامحى التغاير. ولكن في هذه الحالة يخرج الأمر كله من مجرد إثبات الصفات أو نفيها إلى الوقوع في الشرك الصريح المتضمن في موقف الأشاعرة.

وهنا حجج نقلية كثيرة لنفي الصفات لا تظهر كثيرا عند مؤرخي أهل السنة كتمانا لها، وعلى رأسها:

ليس كمثله شيء

وغيرها من الآيات، مثل:

سبحان الله عما يصفون ، والتي ترد الذهن الإنساني إلى حدوده في استعمال اللغة ووصف الذات الخالص. ولكن الحجج العقلية ترد باستمرار للرد عليها بالرغم من قوتها وصلابتها، منها أن الصفات هي مجرد اختلاف وجوه الاعتبارات في شيء واحد لا يوجب تعدد الصفات، ومن ثم فهي موجودات ذهنية لا وجود لها في الواقع، في عالم الأذهان لا في عالم الأعيان. وقد تكون هناك حجة جدلية. فإما أن تكون الصفة الذات أو غير الذات. والأول نفي الصفات، والثاني إما حادثة أو قديمة. فلو كانت قديمة لشاركت الذات، وبالتالي تصبح آلهة، والاشتراك في العدم يوجب الاشتراك في الألوهية، فلم يبق إلا أن تكون حادثة وهي صيغة أخرى لنفي الصفات.

من العقيدة إلى الثورة (٢): التوحيد · الصفحة ١١٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من العقيدة إلى الثورة (٢): التوحيدص ١١٤