9
وهذا كله إسقاط من الإنسان وبيئته على موضوع لا يدركه الحس، ولا يتصوره الذهن.
ولما كان للملائكة هذا القدر من الرتبة العلوية والشفافية الجسمية، فهم يقدرون على ما لا يقدر عليه سائر البشر؛ فيجرون المعجزات، مثل قطع المسافات بين السموات والأرض في مدة قصيرة جدا، وتمر أمامنا ولا نراها، وتفعل أفعالا عظيمة يعجز عنها البشر. وتحاول إحدى الحركات الإصلاحية الحديثة تفسير ذلك وتبريره بظواهر الطبيعة، وباكتشافات العلم الحديث؛ فالرياح تقلع الأشجار العظيمة وتهدم الأبنية العالية، والكهرباء تجر الأثقال التي يعجز عنها ألوف الرجال، والإنسان قادر بأصبعه وعضلات ساعده القيام بأفعال صعبة، وهي كلها من أوامر مخه، وهو جسم لطيف نحيل يحرك الأعضاء من خلال الأعصاب، بالرغم من فساده بأقل شيء ولو بنقطة دم زائدة فيها. وإمكان ذلك كله يرجع إلى الله القادر على كل شيء!
10
كما أن سرعة قطع المسافات يمكن تبريرها بقانون الجاذبية؛ فالجسم الساقط من الشمس تكون سرعته أكبر بكثير من الجسم الساقط على الأرض في أول ثانية، كما أن سرعة حركة الأفلاك ودوران الأرض أكبر بكثير مما نشعر بها. ولماذا لا تذكر أيضا سرعة الصوت والضوء لتبرير سرعة الملائكة؟
11
واضح من ذلك أنه لا سبيل إلى معرفة الغائب إلا بالقياس على الشاهد، وإذا كان الشاهد هو العلم، فإن موضوعات العقائد لا تفهم حينئذ إلا بالعلم، ويكون العلم هو وسيلة معرفة عقائد الإيمان، إذا ما تغير العلم تغير فهم العقائد. ولما كان العلم باستمرار متغيرا أصبح فهم العقائد متغيرا كذلك؛ وبالتالي تحول نسق العقائد كله من الثبات إلى التغير، وأصبحت مادة العقائد كلها هي مادة العلم، وبدل أن يصبح المتكلمون تابعين للساسة يصبحون هذه المرة تابعين للعلماء؛ الساسة الجدد، أو الذين يعملون أيضا عند الساسة القدماء. وعلى الرغم من هذا التفسير العلمي لقدرة الملائكة إلا أن اللجوء إلى قدرة الله على كل شيء لا يتم التنازل عنه، وكأن تفسير العلم لا يتنافى مع الإيمان بالقدرة، وليس بديلا عنه، فيتجاور العلم مع الإيمان؛ الأول وافد من الآخر، والثاني نابع من الذات، ويصبح المسلم مقلدا للآخر وناقلا عنه، ومطمئنا إلى إيمانه القديم، وكأنه قد جمع بين الحسنيين؛ علم الآخر وإيمان الذات، وهو ما نحن عليه حتى اليوم.
أما من حيث باقي الأوصاف، فقد يكون مكانهم في السماء؛ نظرا لقربهم من عالم الأفلاك، وهو عالم مشابه لها، من حيث الشفافية واللطافة والحياة والحركة.
12
ومن هنا أيضا أتى مقامهم المحمود، وانتظامهم صفا صفا،
13
قد يترقون كما يفعل البشر من أسفل إلى أعلى طبقا لأداء الوظائف، وقد يظل كل منهم في رتبته بلا استحقاق. وهم مأمورون لا يعصون الله في أمرهم؛ وبالتالي فهم معصومون، سواء كان منهم الرسل أو لم يكن.
14
لا يأكلون ولا يشربون ولا يتغوطون، ولا يلد بعضهم بعضا، ويذكرون الله كثيرا وفي كل وقت، ليس لهم حظ من الجنان، ولا من رؤية الرحمن. وقيل إن جبريل وحده هو الذي ينظر إلى الله مرة واحدة؛ حتى لا ينالهم الجميع الفضل بما في ذلك العاصي المعاقب وتفضيله على الرسل. وهو إسقاط موضوع الرؤية في الصفات من عالم الشهادة إلى عالم الغيب؛ حتى يمكن تفضيل الثاني على الأول.
15
وما المانع أن يرى النور النور، ما دام الأمر كله تشبيها وتعبيرا عن موقف إنساني خالص؟ فإذا ما عوقبوا فليس عقابهم مثل عقاب الملاك على الكفر، فجزاؤه النار مثل إبليس، وإن كان دون ذلك فعليه العقاب مثل هاروت وماروت، ومن استحق الثواب فله لذة الطاعة لله!
16
كل ذلك إسقاطات من الإنسان على ما لا يعلم، وتصور حسي مادي لنعمه، وظلم للمطيع للملائكة بأن تكون له لذة الطاعة، والطاعة فعل، فكيف تكون ثوابا؟ وكيف يكون من أهل الجنة دون أن يكون ذلك ثوابا؟ يبدو أن الصراع بين الرؤية لعالم الملائكة، كالنور والعصمة والطاعة، في صراع مع الرؤية الواقعية لها؛ العصيان والجزاء، وكلاهما رؤيتان إنسانيتان خالصتان. وقد يكون ذلك رد فعل على اليهود، الذين جعلوا عصيان الملائكة بلا حدود، وعقابهم إلى حد مسخ الله لهم.