وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى . وقد يغالي بعض المعاصرين في اعتبار ذلك نوعا من الغازات أو الإشعاعات أو الغبار النووي الذي لا يفرق بين الأعداء والأصدقاء، إحساسا بعجزهم عن مجارات العلم، وتحويلهم العلم إلى نوع من المعجزات الجديدة. قد تحدث معجزات أخرى في الحروب، بعضها معلوم وبعضها مجهول، مثل دفاع أربد عنه. وقد تحمى المدن قبل البعثة وأثناء ولادته إكراما له، مثل رمي الله جيش أبرهة صاحب الفيل بالحجار عام غزوه مكة، وتلاوة ذلك في القرآن حتى الآن بركة ودعوة؛ فللبيت رب يحميه. فكما أن شخص الرسول محاط بالرعاية فكذلك مكان مولده، ومركز شعائره، وقدسية مدينته. ولا يمنع ذلك من وجود طير جارح في الصحراء بجموع غفيرة، كما هو الحال في موسم الهجرات، تبحث عن طعامهم في صحراء قاحلة. فلما وجدت الجيش وبقايا طعامه وروائحه، حطت عليه كما يحط الجراد على الزرع فلا يبقى منه شيء.
18
لذلك كانت المعجزات بهذا المعنى القديم طريقا مسدودا، ولم تعد دليلا على وقوع النبوة أو صدقها، وأصبح الدليل نوعا جديدا من التحدي، هو التحدي البشري، عقلا وإرادة، متفقا مع اكتمال الوحي وتحقيق قصده.
| سابعا: إعجاز القرآن
إعجاز القرآن هو البديل الجديد في آخر مرحلة من مراحل الوحي عن المعجزات القديمة أثناء تطور الوحي وقبل اكتماله. كانت المعجزة بالمعنى القديم خرقا لقوانين الطبيعة، وجريانا على غير المألوف، وصدما لبداهات العقل، ونقضا لشهادات الحس، لا تسلم من خداع أو وهم، وإن كانت حقيقة فتدل على جهل بقوانين العلم. ومن الناحية العملية لم يؤمن بها إلا البسطاء، وكذب بها الأولون. أما الإعجاز الجديد فهو ظاهرة طبيعية، كلام حسي منظوم يعرفه كل متكلم، سواء كان أميا أم متعلما يتجه إلى العقل والحس والوجدان للتأثير فيها إقناعا ورؤية وتصديقا. وإذا كانت المعجزة من فعل الله في الطبيعة من خلال الرسول، وليس من فعل الرسول مباشرة متوجهة إلى عامة الناس؛ فالإعجاز كلام طبيعي حسي موجه إلى الإنسان مباشرة كفرد مستثيرا قدراته على التحدي؛ وبالتالي ينفصل الكلام عن مصدره الأول وعن واسطته الثانية. وإذا كان شرط التحدي هو تكافؤ الفرص، فكون المعجزة من الله لا يجعل فيها تحديا ولا تكافؤ فرص، في حين أن الإعجاز به تحد وبه تكافؤ فرص؛ فالكلام في متناول الجميع، يقدر عليه الكل. وكيف يجاري الإنسان الله في المعجزة؟ لو كانت من الرسول لكان التحدي قائما. وإذا كانت المعجزة القديمة منقطعة بانتهاء عصرها فإن الإعجاز باق إلى نهاية الزمان، طالما أن هناك إنسانا قابلا للتحدي وقادرا على الدخول فيه. وإذا كان من ضرورات المعجزة القديمة صحة تواترها في الماضي، فإن الإعجاز الجديد يقتضي تحديا مباشرا في الحاضر والمستقبل. الإعجاز إذن تطوير للمعجزة القديمة، التي كانت وسيلة الوحي لتغيير بناء الشعور البشري، وتحريره من سيطرة المادة الطبيعية المستغلقة، أو من سيطرة السلطان البشري القاهر. ولما لم تنجح هذه الوسيلة في كثير من الأحيان، فهي استبدال خرافة بخرافة، كان الشعور يرجع باستمرار إلى طبيعته الأولى بعد أن تغير وكأنه لم يتغير مطلقا؛ لذلك انتهى دور المعجزة بعد استقلال الوعي البشري واكتمال الوحي، وتحولت المعجزة الطبيعية القديمة إلى إعجاز الكلام الجديد وتحدي القدرة البشرية على الخلق الأدبي والتشريعي؛ ومن ثم يكون الإعجاز حافزا مستمرا للشعور على الخلق، ودافعا مستمرا للفكر على التحدي.
1 (1) التحدي والمعارضة
يقوم الإعجاز الجديد على عنصري التحدي والعجز عن المعارضة؛ فالتحدي هو مطالبة الإنسان أن يأتي بمثل هذا القرآن؛ أي استثارة القدرة البشرية على الخلق والإبداع، وعلى هذا النحو يحقق الإعجاز الجديد أحد شروط المعجزة القديمة وهو التحدي، دون الوقوع في مثالبها وهو خرق قوانين الطبيعة، وهدم قوانين العقل، ومحدوديتها في القدرة على الإقناع. ولما كان التحدي يقتضي تكافؤ الفرص فإن اعتبار القرآن من عند الله يجعل الفرص غير متكافئة؛ فكيف يتحدى الإنسان الله ويجاريه في صنعه؟ ولو كان القرآن من عند الرسول لكان التحدي أقرب إلى تكافؤ الفرص، بالرغم أيضا من تأييد الرسول بالاتصال، في حين أن الشاعر المتحدى ليس مؤيدا إلا بقدراته الإبداعية الخاصة. وليس تنزيها لله أن يقف الإنسان متحديا له في صنعه، وليس احتراما للرسول أن يقف الشاعر متحديا له فيما يبلغ به ويعلنه للناس من عند الله. وكيف يكون التحدي ممكنا لو كانت نتائجه معروفة من قبل وإعلان النتيجة مسبقا بفشل الإنسان والحكم عليه بذلك إلى نهاية الزمان بحرف النفي للتأبيد «لن»؟