تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

2

وقد يزاد معنى ثالث على المعجزة عندما تصبح خرقا لقوانين الطبيعة وأمرا على خلاف العادة، وهنا يكون معناها ليس بالعلة الفاعلة وهو الله أو بالعلة الغائية وهي الدلالة على صدق النبي، بل بالعلة المادية؛ أي كظاهرة طبيعية على خلاف العادة، مناقضة لقوانين الطبيعة ويصاحبها التحدي؛ تحدي البشر على الإتيان بمثلها أو على معارضتها ومنع وقوعها؛ وبالتالي إعلان الإنسان عجزه عن المعارضة وعلى الإتيان بمثلها.

3

والسؤال الآن: هل يمكن خرق قوانين الطبيعة ؟ أليست سنن الكون دائمة وثابتة حتى يمكن للإنسان إدراكها وتسخيرها؟ وما فائدة التحدي مقرونا مع عدم المعارضة؟ إن التحدي لا يكون صحيحا قائما على تكافؤ الفرص إلا إذا كان مقرونا بالقدرة على المعارضة. هل عدم المعارضة فضيلة؟ وهل النموذج الأسمى لفعل الإنسان هو التسليم بالعجز والإذعان؟ أليست مأساة المسلمين اليوم في الإذعان لقوى القهر والاستسلام للطغيان وعجزهم عن المعارضة؟ ولقد تحدى الشيطان من قبل وأصبح التحدي عاملا مؤثرا في الدنيا وأصبح كل شيء مجندا، الأنبياء والرسل، والشرائع، والعقول، لمواجهة تحدي الشيطان. (ب) شروطها

ويمكن استنباط شروط المعجزة من جملة تعريفاتها السابقة؛ فمن شروطها أن تكون من فعل الله أو ما يقوم مقامه، وأن تكون خارقة للعادة دون أن يكون ذلك في مقدور النبي، وأن تتعذر معارضتها، وأن تكون ظاهرة على مدعي النبوة حتى تكون دليلا عليها، وألا يكون ما ادعاه وأظهره مكذبا لها، وإلا تكون متقدمة على الدعوى بل مقارنة لها، فالتصديق قبل الدعوى غير مقبول وأن يتم ذلك في زمن التكليف قبل زواله أو بعده أو بعد الموت، ويشترط أيضا التحدي بها أو الاكتفاء بقرينة.

4

وبعض الشروط تخل بالتعريفات الأولى ومناقضة لها، مثل أن تكون من فعل الله أو ما يقوم مقامه، وليس هناك من يقوم مقام الله أو يقدر على المعجزات سواه بما في ذلك الرسول أو «الملاك»، وأن التطابق مع الدعوة وعدم الاختلاف معها لا يكون بمجرد تطابق القول مع المعجزة، بل بمقياس آخر للصدق، مثل تطابق القول مع العقل أو المعجزة مع الواقع، وكثير من المعجزات تتم قبل التكليف للنبي، بل وقبل ولادته كما هو معروف في البشارة، وبعد مماته في الظواهر الطبيعية مثل الرعد والبرق ساعة الموت.

5

وإن توقفت المعجزات بنهاية التكليف أو بالموت فالكرامات مستمرة بعد الموت، وقد يقال إنها قبل البعثة أو بعدها كرامة وأثناء البعثة معجزة.

6

ومن المعنى الأول للمعجزة، الله هو الفاعل للمعجز، وهو أيضا الشرط الأول، أن يكون هو الفاعل أو غيره. يميز القدماء بين نوعين من المعجزة؛ الأول ما لا يقدر على جنسها غيره، مثل إحياء الأموات، وإبراء الأكمه والأبرص، وقلب العصا حية، وفلق البحر، وإمساك الماء في الهواء، وتشقيق القمر، وإنطاق الحصى، وإخراج الماء من بين الأصابع؛ والثاني خلق الله اختراعا وكسبا لصاحب المعجزة، مثل إقدار الإنسان على الطفر والصعود إلى السماء، وقطع المسافة البعيدة في الساعة القصيرة، وإطلاق لسان الأعجمي بالعربية مما لا تجري به العادة.

7

فمقياس التصنيف ما يدخل تحت قدرة الله وما يدخل تحت قدرة العباد، أو حدوث فعل غير معتاد مثله، وتعجيز الفاعل بشيء معتاد عن فعل مثله.

8

وفي كلتا الحالتين يكون مقياس التصنيف القدرة الإلهية والعجز الإنساني، أو على أكثر تقدير القدرة الإلهية والاكتساب الإنساني، وعند الحكماء المعجزة ثلاثة أنواع: ترك وفعل وقول. الترك مثل الإمساك عن التحدث بخلاف العادة، والفعل لا يأتي إلا من النبي، مثل فتق الجبل أو شق البحر، والقول إخبارا بالغيب والتنبؤ بالمستقبل. ويفسر الحكماء المعجزة تفسيرا نفسيا؛ فالترك هو انجذاب النفس إلى عالم القدس واشتغالها عن البدن، زهدا في العالم، وقدوة للغير، وهو معروف عند أصحاب الرسالات وكبار القواد والزعماء في موقفهم من العالم؛ فالمعجزة تعبير عن قدرة النفس الخالصة على الإتيان بما لا تستطيعه النفس قبل الصفاء، قدرتها على المعرفة والاستكشاف، في حين أن الصوفي يقرن النظر بالعمل في المعجزات ويجمع بين معجزات المتكلمين العملية ومعجزات الحكماء النظرية.

من العقيدة إلى الثورة (٤): النبوة –‎ المعاد · الصفحة ١٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من العقيدة إلى الثورة (٤): النبوة –‎ المعادص ١٩