تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

19

إن أمور المعاد في نهاية الأمر ما هي إلا تعبير عن عالم بالتمني عندما يعجز الإنسان عن عيشه بالفعل في عالم يحكمه القانون ويسوده العدل؛ لذلك تظهر باستمرار في فترات الاضطهاد، وفي لحظات العجز، وحين يسود الظلم ويعم القهر، كتعويض عن عالم مثالي يأخذ فيه الإنسان حقه، ويرفع الظلم عنه. أمور المعاد في أحسن الأحوال تصوير فني يقوم به الخيال تعويضا عن حرمان في الخبز أو الحرية، في القوت أو الكرامة، في الرزق أو الحق، في عالم يحكمه القانون ويتحقق فيه العدل. وهي تعادل في علم أصول الدين المدن الفاضلة في علوم الحكمة. تنشأ أمور المعاد إذن نشأة سياسية اجتماعية اقتصادية.

20

وبطبيعة الحال أن ينشأ رد فعل على التصور الثنائي، وأن ينشأ تصور بديل هو التصور الواحدي للعالم؛ فهناك دنيا واحدة وآخرة واحدة هي نفسها الدنيا. فالجنة والنار هما النعيم والعذاب في هذه الدنيا، وليس في عالم آخر يحشر فيه الإنسان بعد الموت. الدنيا هي الأرض، والعالم الآخر هو الأرض. الجنة ما يصيب الإنسان من خير في الدنيا، والنار ما يصيب الإنسان من شر فيها. وهو ما قاله الفلاسفة أيضا عن النعيم الروحي والعذاب الروحي في هذا العالم، وإنكار النعيم البدني والعذاب البدني في عالم آخر. ولا يهم ماذا تعني الدنيا، هل هي الهواء والجو، أم هي كل ما خلقه الله من الجواهر والأعراض، بل يكفي أنها دار عمل وحياة وبقاء. إن واقع النعيم والعذاب في الدنيا لا يمكن إنكاره، سواء كان ذلك امتحانا للإنسان وابتلاء له ليزداد إيمانه وشكره، أو كان ثوابا وعقابا على أفعاله دون انتظار؛ إذ إن نتائج الفعل قد تظهر في الحال أو في المآل، في حياة الإنسان أو بعد مماته، كما هو الحال في السنن والآثار.

21

ويؤكد ذلك عدد كبير من الأغاني الشعبية والأمثال العامية عن أن الجنة هي حضور الحبيب والأنس به، والنار غياب الحبيب وعذاب الفراق.

22

وقد يجعل هذا التصور الناس أكثر حرصا على العمل في الدنيا والتمسك بها، بدلا من الرضا وانتظار تعويضها في زمن آخر وفي مكان آخر. وقد يظهر تصور الخلود في الدنيا في عقيدة التناسخ، وانتقال الروح المنعمة إلى جسد منعم، والروح المعذبة إلى جسد معذب بالأمراض والأسقام والشيخوخة، أو إلى جسم حيوان.

23

وقد تتشخص الجنة والنار في رجلين؛ الأول تجب موالاته والثاني تجب معاداته؛ مما يدل على ارتباط أمور المعاد بالظروف النفسية والاجتماعية والسياسية لمجتمع الاضطهاد.

24

وفي هذه الحالة لا تفنى الدنيا كما قد تفنى الآخرة، وكأنه عندما تضيع الدنيا تخلد وتفنى الآخرة كما هو الحال في التجسيم، وعندما تنال الدنيا تفنى وتبقى الآخرة كما هو الحال في التنزيه، أو كأن خلود الدنيا وفناء الآخرة تعريض ينشأ عن حال الفقد والعجز في الدنيا بإثبات خلودها وفناء الآخرة.

25

وقد تتعدد الديار، دنيا وآخرة، لتجمع بين التصورين الثنائي والواحدي لعلاقة الدنيا بالآخرة؛ فقد تكون الديار خمسا؛ داران للثواب، والثالثة للعقاب، والرابعة للابتداء، والخامسة للابتلاء. وقد كلف الخلق في دار الابتلاء بعد اختبارهم في الدار الأولى، ولا يزال التكوين والتكرير، الاختبار والتكليف، في الدنيا حتى يمتلئ مكيال الخير ومكيال الشر. فإذا امتلأ الأول أصبح العمل كله طاعة والمطيع خيرا خالصا، فينقل إلى الجنة وكأنه لم يلبث طرفة عين. ومطل الغني في الحياة وحبه لها ظلم له. وإذا امتلأ مكيال الشر صار العمل كله معصية والعاصي شرا محضا، فينتقل إلى النار وكأنه لم يلبث طرفة عين.

26

وقد يعبر عن رسالة الإنسان في الحياة فنيا بالصورة، فتنشأ أمور المعاد، فتكون الدنيا دار عمل، والآخرة دار جزاء، وتتحول رسالة الإنسان في الحياة ليحققها. فمن حقق رسالته ارتفع إلى أعلى عليين، في مكانة أفضل من الذين استمروا في النعيم الدائم؛ لأنهم حصلوا على جزائهم بجهدهم لا بخلقهم. وإذا لم يحققوا الرسالة هبطوا أسفل سافلين، تسلب منهم الرسالة، ويتحولون إلى أقل مرتبة من الوجود، وهي مرتبة غياب الوعي وحياة الشعور، ثم تعطى لهم فرصة ثانية للاختبار والتكليف. وهكذا تستمر الحياة، تكليف برسالة، ونجاح أو فشل في التحقيق، لا نهاية ولا يأس، بل عملية مستمرة لمزيد من الارتفاع للبعض، ومزيد من الانخفاض للبعض الآخر؛ حتى يظهر التقابل بين الملاك والحيوان، بين النعيم المطلق والعذاب المطلق، بين حياة الوعي وحياة اللاوعي، بين اليقظة والموت.

من العقيدة إلى الثورة (٤): النبوة –‎ المعاد · الصفحة ١٦٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من العقيدة إلى الثورة (٤): النبوة –‎ المعادص ١٦٥