تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

41

وبالتالي يبرز سؤال، لماذا إذن العبادات والشرعيات إذا كان الإنسان يستطيع الوصول إلى غاياتها بأساليب أخرى؟ لا يستطيع ذلك إلا من أوتي حظا من الوعي والثقافة، وهو ما لا يتأتى للجميع، ولما كان الوحي أسلوبا في مخاطبة الجميع فإنه أتى بهذا الأسلوب في التعامل حتى يسهل على الجميع فهمه وتطبيقه والعمل به، فالخاصة والعامة معا قادرون على حد سواء على فهم العبادات، ولكن الخاصة وحدهم هم القادرون على الحصول على الغايات بوسائل أخرى، وإذا كان المجتمع كله خاصة واستطاع أن يكون على درجة من الوعي والثقافة، فإنه يصل إلى نفس الغايات بوسائل متعددة، ولكن اتحاد الوسائل قد يكون أيضا نوعا من توحيد السلوك وأكثر ضمانا للوصول إلى الغايات من وسائل أخرى ما زالت تحت التجربة، وهو ما لاحظه الحكماء من قبل؛ فالفلسفة والشريعة متفقتان في الغاية وهو صلاح النفس وتحقيق كمالها، وكأن الأخلاق هي نقطة الالتقاء بين الفلسفة والشريعة؛ فإذا ما أدى تطبيق الشرائع إلى نفاق بغياب الفضائل الداخلية وحضور الصور الخارجية أتت الفلسفة لتعيد إلى الصورة مضمونها وإلى الشريعة حياتها، وإذا خير العاقل بين التقوى دون الشرائع أو بين غياب التقوى وحضور الشرائع لكان الأول هو الأكمل. أما فيما يتعلق بذبح الحيوان وإيلامه فلا يكفي لإثبات شرعية ذلك أن يقال إنه مسموح به من قبل المالك، فهذا تصور خارجي للشرعية، وجعل العقل والطبيعة معا تابعين لإرادة خارجية إنما يمكن فهم ذلك باعتبار أن الإنسان سيد الكون، وكل شيء مسخر له. ولماذا الرفق بالحيوان والرفق بالإنسان أولى؟ لذلك هناك قانون الاستحقاق وقانون العوض عن الآلام كي يعيش الإنسان راضيا عن نفسه مقيما للعدل ونافيا للجور والظلم. (3) النبوة ممكنة

إن لم تكن النبوة واجبة أو مستحيلة فهي ممكنة أي جائزة، والقول بوجوبها وضرورتها لا يحتاج إلى إثبات، والقول باستحالتها في حاجة إلى دلائل نفي. أما القول بإمكانها فهو في حاجة إلى إثبات، ووقوعها بالفعل دليل على إمكانها وكأن وقوع الشيء بالفعل أكبر دليل على إمكانه. لا يثبت إمكان النبوة أولا ثم وقوعها ثانيا على ما هو معروف من أسبقية الفكر على الواقع، والمبدأ على الحادثة، ولكن يثبت إمكان النبوة بعد وقوعها؛ أي بأسبقية الواقع على الفكر. لا يتم إثبات النبوة قبليا استنباطيا بل يتم بعديا استقرائيا. يثبت الإمكان من الوقوع ولا يثبت الوقوع من الإمكان، وهو ما يتفق مع التوجيه العام لعلم أصول الدين في اعتبار مبحث الوجود سابقا على التوحيد، وأن معرفة الحادث هو الطريق إلى معرفة القديم، وبلغة الحكماء، سبق الطبيعيات على الإلهيات. ما دامت الرسالة واقعة فالنبوة ممكنة الوقوع؛ ومن ثم كان إنكار النبوة أو القول باستحالتها إنكارا للواقع وهدما للضرورة، وما دامت نبوة محمد، ونحن عليها، قد وقعت، فالنبوة جائزة حتى لا يقول أحد أنا لا أدري هل النبوات السابقة قد وقعت أم لم تقع؛ فإمكان وقوع النبوة من وقوعها بالفعل كما أن إثبات الحركة يكون بالحركة بالفعل، ولكن، ماذا نفعل بمن لا يسلم بوقوعها وينكر حدوثها بالفعل؟ هناك القرائن الحسية وفي مقدمتها الكتاب المدون والمقروء والنقل المتواتر. وهل يثبت الواقع فكرا؟ وهل تشرع الواقعة للمبدأ؟ نعم، فلا شيء يسبق الواقع شرعا، وشرعية المبدأ إنما تكمن في واقعيته، وفي علم أصول الفقه أن وضع الشريعة ابتداء ووضعها للأفهام هو في نفس الوقت وضعها للامتثال ووضعها للتكليف.

42

وهل يثبت العام من الخاص؟ فالعام تجريد والخاص واقع، كما تثبت النبوة في آخر مراحلها أولا قبل أن تثبت النبوات السابقة التي يخبر عنها في ختم النبوة المنقولة نقلا متواترا، وهناك فرق بين إمكان النبوة ووقوعها من ناحية وبين تحقيقها من ناحية أخرى، فالأولى إمكانية نظرية خالصة بينما الثانية إمكانية عملية تتحقق بحرية الأفعال.

من العقيدة إلى الثورة (٤): النبوة –‎ المعاد · الصفحة ١٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من العقيدة إلى الثورة (٤): النبوة –‎ المعادص ١٥