44
ولكن، هل الأنا هو مجرد هذا الجسم الحي أو البدن العضوي؟ يبدو أن الأنا ليس هذا البدن المحسوس؛ لأن له ذاتا يعبر عنه بضمير المتكلم، الشخص الأول بالرغم من الغفلة عن الأعضاء؛ فعندما يقول الإنسان «أنا»، فإنه يعني هويته، ويعبر عن ذاته، ولا يشير إلى بدنه أو أعضائه. وقد تقطع الأعضاء الظاهرة، وقد تفنى وتنحل إلى عناصر بسيطة، وتظل الأنا أو النفس باقية من أول العمر إلى آخره، بل إن مسار البدن غير مسار النفس؛ فإذا كان البدن كلما تقدم العمر ضعف وذبل، فإن النفس تقوى وتنضج؛ مما يدل على أنهما من طبيعتين مختلفتين، يوجدان في الزمان في مسارين مستقلين ومتقابلين. وإذا كان البدن قادرا من خلال الحواس على إدراك المحسوسات، كل حس يدرك محسوسا، فإن النفس هي القادرة على إدراك المحسوسات الكلية الظاهرة والباطنة؛ أي المعقولات. وإذا اقتصر عمل الحواس على الإدراك، فإن نشاط النفس يمتد إلى إدراك الكليات والحكم بها ابتداء من الجزئيات. وإذا كانت أفعال البدن غريزية أو انعكاسية، فإن أفعال النفس إرادية اختيارية. وإذا كان نشاط النفس يتمثل في إدراك المدركات الحسية والعقلية، الجزئية والكلية، وكانت هي الفاعل لجميع أنواع الأفعال، فإن البدن لا يوصف بمثل هذه النشاطات، كما تدل عديد من الشواهد النقلية على بقاء الحياة بعد الموت متمثلة في حياة الشهداء. هناك إذن جوهر ناطق بعد الموت، مستقل عن البدن ومتميز عنه، وهو النفس.
45
هناك نفس مستقلة عن البدن تحتاج البدن كآلة؛ فالجوهر لا تأثير له إلا من خلال البدن.
46
ولكن تظل المشكلة قائمة في حالة التركيب؛ أي الجمع بين الأنا النفسي والأنا الجسمي، وهي كيفية الجمع والتركيب؛ لذلك آثر الحكماء تميز النفس عن البدن كمقدمة لإثبات بقائها والاستغناء عن البدن كلية. فإذا كان العلم بالله لا ينقسم، وكان محله هو النفس، تكون النفس كذلك، والحال كذلك أيضا بالنسبة لكل علم وفعل. كما أن القوة العقلية تقوى على أفعال غير متناهية، في حين تكون قوى البدن محدودة لا تقوم إلا بأفعال متناهية.
47
وتكون العلاقة بين النفس والبدن علاقة الاستنباط بالاستقراء، العقل بالحس، الكل بالجزء، الجدل النازل بالجدل الصاعد. (ج) هل تفنى الروح بفناء البدن؟
كان الهدف من السؤال السابق عن تميز الروح عن البدن هو طرح هذا السؤال الأخير: هل تفنى الروح بفناء البدن؟ فالقول بعدم التمايز والتوحيد بين الأنا والجسم، يؤدي إلى القول بفناء الروح مع فناء البدن، وأنه ليس عند الله أرواح شهداء ترزق.
48
وبالتالي يكون للموت الكلمة الأخيرة، وهو ما يضاد التجربة الإنسانية، والرغبة في تجاوز الموت واستمرار الحياة، والكشف عن الحقائق، واسترداد الحقوق والقصاص من مغتصبيها. أما القول بالتمايز، فإنه يؤدي بالضرورة إلى القول ببقاء النفس، سواء كان ذلك مع حشر الأجساد أو بدونها كجوهر خالص. فإذا كان المتكلمون قد ركزوا على إثبات حشر الأجساد، فإن الحكماء قد ركزوا على بقاء الأرواح بعد فناء الأجساد. فالنفس الناطقة لا تقبل الفناء عند المتكلمين الأشاعرة؛ لأن المواظبة على الفكر تفيد كمال النفس ونقصان البدن؛ فلو فنيت النفس بفناء البدن لامتنع أن يكون الموجب لنقصان البدن سببا لكمال النفس، وإذا كان عدم النوم يضعف البدن فإنه يقوي النفس؛ مما يدل على أنهما يسيران في خطين متعاكسين. وفي سن الأربعين يزداد كمال النفس، ويبدأ البدن في الضعف والوهن. وعند الرياضات الشديدة تحدث للنفس كمالات عظيمة، وتلوح لها الأنوار، وتنكشف لها المغيبات، في حين يضعف البدن. وهي حجج مشابهة لحجج الحكماء في إثبات تميز النفس عن البدن. هذا بالإضافة إلى أقوال الأنبياء والحكماء مما يثبت الجزم بعدم فناء النفس بفناء البدن، وببقائها بعد فنائه.