ولما كانت النفس لا تتناهى، فهي تعاود الحلول في الأجسام. وما أسهل بعد ذلك من تأويل الحجج النقلية بحيث تتفق مع عقيدة التناسخ، خاصة تلك الآيات التي تتحدث عن تركيب الصور وخلق الإنسان وخلق الأزواج من نفسه، بتأويل حرفي يقضي على الدلالة.
2
وهناك صورة أخرى للتناسخ في عقيدة الدهرية تمنع من انتقال الأرواح إلى غير أنواع أجسادها التي فارقت. فلما كان العالم لا يتناهى، فوجب أن تتردد الأنفس في الأجساد أبدا، ولا يجوز أن تنتقل إلى غير النوع الذي وجب لها بطبعها وشرفها تعلقا به وإشراقا فيه، ولا تحتاج النفس في هذه الحالة إلى شرائع، يكفيها شرف طبعها وخلودها. والحقيقة أن هناك تمايزا بين أنواع النفس، بين النفس الناطقة وهي نفس الإنسان، والنفس غير الناطقة وهي نفس الحيوان. وهذا ما يؤكده الحس والعقل، وتؤيده المشاهدة والبرهان.
3
أما القول بأن الأرواح تنتقل إلى أجساد أنواعها، فيعارضه إثبات تناهي العلم وحدوثه. فكيف تحل نفس لا متناهية في عالم لا متناه؟ كما أن الاختلاف بين الأشياء في العالم أكثر من الاتفاق، والفروق أكثر من التشابهات؛ وبالتالي استحال أن تحل الروح في جسد يشابه. ولما كانت الأشخاص متفردة بأرواحها، وكانت الأعمال أحد مظاهر هذا التفرد، استحال أن تحل روح شخص في شخص آخر.
4
كما لا يثبت التناسخ بمجرد مشاهدة عقاب في الدنيا لمن لا يستحق، مثل مرض الأطفال وذبح الحيوان، وبأن يكون بالضرورة عقابا مستحقا لأرواح اكتسبت هذه الأجساد. فطبقا للصلاح والأصلح، كان من الأصلح عدم خلق مرض الأطفال أو ذبح الحيوان، بدلا من عذابهما وجعلهما يتحملان عقاب الآخرين.
5
إن القول بتناسخ الأرواح هو رد فعل طبيعي على القول بحدوث النفس؛ فكلاهما خطآن يلغي أحدهما الآخر. فالقول بحدوث النفس يسبب القول بقدمها. التناسخ ضد قانون الاستحقاق، فمن الذي سيعاقب؟ أي بدن وأي نفس؟ كما يؤدي القول بالتناسخ إلى القول بقدم الكائنات وأزليتها؛ وبالتالي المشاركة في صفات الله، كما ينفي المعاد وكل ما يتعلق به من بعث وحساب وعقاب. ولو صح التناسخ لتذكرنا الحياة الماضية، ولأصبح الإنسان وعاء للتاريخ، ومخزنا للحوادث لكل الناس. ولو لزم التناسخ للزم أن تكون الأرواح بعدد الأبدان، وإلا لو زاد عددها لظل بعضها طائرا في الفضاء بلا أجساد.
6
عقيدة التناسخ إذن نظرة أخلاقية للنفس، تبغي الانتقام والعقاب من النفوس الظالمة التي فقدت براءتها الأولى. عقابها في النزول؛ فنزولها إلى الأبدان نسخ، وإلى الحيوان مسخ، وإلى النبات رسخ، وإلى الجماد فسخ؛ وثوابها في الصعود، التخلص من الأبدان والتعلق بالأجرام. وواضح أن العقاب أهم من الثواب، فتفصيل العقاب أكثر حضورا من عمومية الثواب.
7
وفي مقابل عقيدة النسخ عقيدة الرفع. الأولى هبوط والثانية صعود. الأولى عود إلى العالم من أجل الانتقام منه أساسا، والثانية هروب منه تطهرا وتعففا عن آثامه. فالبريء الطاهر لا يموت، ولكنه يرفع إلى الملكوت، ويعيش في مجتمع الأطهار بعيدا عن أرض النفاق والآثام، ويستطيع أن يبلغ في هذا الرفع أعلى الدرجات، بل أعلى من الأنبياء والملائكة؛ وبهذا الرفع لا يقال إن الإنسان يموت.
8
وبهذا المعنى لا يفهم في أمور المعاد إثباتها أو إنكارها، بل فهم دلالاتها على أنها تعويض عن الظلم الدنيوي؛ فالأخرويات هي صياغة نظرية لهذا التعويض. وإن إنكارها والقول برجعة الأموات في عقيدة التناسخ هو رفض لانتظار الحساب والعقاب الذي تعد به الأخرويات التقليدية في آخر الزمان، وانتظار للخلاص في هذا العالم، ورغبة في الإسراع بعقاب الظالم في هذه الدنيا تشفيا منه، ورؤية الانتصار الآن وهنا ما دامت رجعة الأموات ممكنة، وما دام تناسخ الأرواح ممكنا. فتحل الروح الظالمة في جسد شرير، وتحل الروح العادلة في جسد خير. (2) المعاد الجسماني