تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

31

والحقيقة أن الخواطر إنما هي البواعث النفسية والمرجحات العقلية التي تجعل الإنسان يختار بينها، وهي أقرب إلى طباع النفس وميولها ورغباتها، وما تميل إليه وما تنفر منه طباعا؛ فالعقل والطبيعة صنوان.

قد يستطيع الإنسان معرفة الحسن والقبح عن طريق التصفية؛ فالأفعال الإنسانية إن كانت خيرة ترتفع نفس فاعلها بحيث تكون أقرب إلى الملائكة والنفوس المجردة؛ وبالتالي لا تحتاج إلى نبوة من خارجها وإلى أنبياء يرشدونها وكان ذلك ثوابها. أما إذا كانت أفعالها سيئة هبطت إلى أسفل واقتربت من عالم الحيوان، وكان في ذلك عقابها، وهي نظرية التناسخ التي هي أقرب إلى النظريات الإشراقية التطهرية الأخلاقية؛ الصعود إلى النور والهبوط إلى الظلمة. لا تحتاج عالما آخر للثواب أو العقاب، بل يتم ذلك في هذا العالم في دورات الحياة المتعاقبة. العقل هنا هو تصفية القلب، العقل الباطني الذي لا يحتاج أيضا إلى نبوة أسوة بالعقل الاستدلالي.

32

والحقيقة أن هذه النظرة لا تصدق إلا على الصفوة العاقلة صاحبة الوعي المتميز، ولكنها لا تصدق على عامة الناس، هي ليست تكذيبا للأنبياء على الإطلاق، ولكنها تبين أن عقل الصفوة قادر على الاستغناء عنها.

33

فبالنسبة للعامة هناك أمور، خاصة العبادات وأشكالها، في حاجة إلى نبوة لبيانها؛ إذ لا يستطيع العقل الاهتداء إليها وإن استطاع معرفة الحكم منها وغايتها، ويظل الأمر بالنسبة للخاصة أن العبادات وأشكالها لا تكون جوهر النبوة التي هي في حقيقتها معارف نظرية يستطيع العقل أن يصل إليها. قد تكون النبوة ضرورية لعامة الناس الذين لم يتعودوا على ممارسة النظر وإعمال العقل، ولكنها ليست ضرورية للخاصة الذين تعودوا على النظر وعلى إعمال العقل، وقد ينشأ هذا التعود إما بالطبيعة وإما بالاكتساب وإما بكليهما معا، وهو ما أكده الفلاسفة أيضا، ومع ذلك يمكن للعامة أيضا بحسها الشعبي وببصيرتها التلقائية أن تدرك حقائق النبوة، خاصة العملية منها، مثل المساواة والعدالة، وهي الحقائق التي تتوق إليها الجماهير الغفيرة نظرا لما تعانيه من فقر وضنك؛ فالخاصة بعقولها، والعامة بضنكها يمكنها إدراك حقائق النبوة، كما يمكن بواسطة نشر التعليم تحويل العامة إلى خاصة، فيصبح كل أفراد المجتمع من الخاصة، وإذا كان العقل يستطيع أن يعرف كل شيء نظرا وعملا، عقيدة وشريعة، فقد تظل ممكنة لإباحة بعض الأشياء يحظرها العقل.

34

وإذا كان العقل في غنى عن الرسل، فقد كان بإمكان الله اضطرار العقول إلى معرفته دونما حاجة إلى اللف والدوران وتأسيس الوحي على العقل وجعل من يقدح في العقل يقدح في النقل، وإذا كان العقل هو الأساس ففيم النقل؟ وما الفائدة من الرسل إذا كان في العقل مندوحة؟ إذا كان العقل يحسن ويقبح، فما فائدة الوحي؟

35

ليس القول باكتفاء العقل استبدادا بالرأي، ولكنه ثقة بالعقل وإعلان لاستقلاله، وهو ما ترمي إليه النبوة؛

36

فالمدافع عن النبوة ضد العقل إنما يتمثل النبوة في مراحلها الأولى قبل اكتمالها، والمدافع عن العقل مكتفيا بذاته دونما حاجة إلى نبوة إنما يتمثل النبوة في آخر مراحلها بعد اكتمالها؛ فالنبوة وسيلة لاكتمال العقل، وكمال العقل غاية النبوة. (ج) الاستحالة العملية

وتقوم الاستحالة العملية على نفي التكليف ابتداء أو نفي اعتبار الشرائع مضادا للعقل. فما الداعي إلى الخلق ثم التكليف؟ وإذا كان الخلق نعمة فإن التكليف نقمة؛ وبالتالي يكون الفعل متناقضا بين أوله وآخره، وتتمثل استحالة التكليف تفصيلا في عدة أمور؛ إذ كيف يكون التكليف ممكنا مع جبر الأفعال لما كانت الأفعال كلها واقعة بقدرة الله ومعلومة من قبل؟ إن ضياع حرية الإنسان أمام إرادة مطلقة تعلم كل شيء سلفا يقضي على شرعية التكليف أولا، وعلى أسباب وجود النبوة ذاتها ثانيا. كيف يبعث نبي ومعلوم سلفا مصير الإنسان وماذا سيفعل وإذا كان سيهتدي أم لا؟ ما فائدة التبليغ ومصير الإنسان مقدر من قبل؟ كيف يعاقب الإنسان وهو معروف سلفا أنه سيموت كافرا حتى ولو أرسلت إليه الرسل؟ ذلك سفه، والعقاب ظلم قبيح، كما أن التكليف إضرار لما يلزمه من التعب والنصب في حالة الفعل، والعقاب في حالة الترك؛ فهو تعب في الدنيا وعقاب في الآخرة، وإذا كان التكليف لا لغاية فإنه يكون عبثا، وإذا كان لغرض يعود على الله فالله منزه عن الأغراض وغني عن العالمين، وإذا كان لغرض يعود على الإنسان فإما أن يكون ضررا وهو منتف يرفضه العقل، وإما أن يكون نفعا وهو ما لا وجود له؛ فالتكليف إضرار بالعقاب، خاصة للكفار وللعصاة، وإذا كان التكليف مع الفعل فلا فائدة لوجوبه ما دام في الفعل غنى عنه، وإذا كان قبل الفعل فإنه يكون تكليفا بما لا يطاق؛ لأن الفعل قبل الفعل محال، وأخيرا فإن التكليف بالأفعال الشاقة يشغل عن التفكير ويحيد عن معرفة الله، فالفاعل لا يكون حكيما والحكيم لا يكون فاعلا.

من العقيدة إلى الثورة (٤): النبوة –‎ المعاد · الصفحة ١٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من العقيدة إلى الثورة (٤): النبوة –‎ المعادص ١٣