16
وقد تظهر ملائكة أخرى مساعدة، مثل ناكور ورومان، يقومان بدور المراقب العام! يعلن رومان الامتحان، أو يفتح محضر السؤال والجواب! وقد يسمى الملكان «رقيب وعتيد»، الثاني أعنف من الأول، كما هو الحال في منكر ونكير، ولكن قد يسبقهما رومان الذي يطلب من الميت أن يجتاز الامتحان كتابيا، وأن يكتب ما عمله في الدنيا. ولا مجال لاعتراض الميت بأنه لا قلم له ولا مداد ولا قرطاس؛ إذ يخبره رومان بأن القلم أصبعه، وبأن المداد ريقه، وبأن الكفن قرطاسه! وهل يكتب الأصبع؟ وهل يترك الريق الأبيض علامة على كفن أبيض؟ أو هل تتسع رقعة الكفن للكتابة خاصة لأعمال الأشقياء؟ ألم يدون كل شيء من قبل في صحائف الأعمال؟ وهل يتذكر الإنسان وهو ميت كل فعله في الدنيا؟ وما المانع ألا يكتب إلا الخير؛ إنقاذا للنفس؟ وكيف يكتب من دفن ويداه مبتورتان، أو الذي لم يدفن وكان بلا جسد بعد أن أكله السبع، أو ابتلعه اليم، أو التهمته النيران؟ وأين يكتب من دفن بلا كفن، أو من سرق كفنه لصوص المقابر، أو دافنو الموتى بعد مغادرة الأهل وإنهاء مراسم الدفن؟ وبماذا يكتب من جف ريقه، ولم يعد في حلقه مداد من هول ما يرى؟ وماذا يفعل الأمي الذي لا يعرف الكتابة؟ وهل يجوز أن يقطع رومان قطعة من الكفن، فيعري الجسد؛ كي يكتب عليها الميت أعماله، ثم يعلقها رومان على عنقه بلا خيط أو مشبك؟ وماذا لو طالت القطعة، ولم يكف الكفن، فيصبح الميت عاري الجسد مغطى الذقن؟ وقد يظهر إبليس متشفيا منتصرا بعد سماع إجابة الكافر، وإن لم يظهر متحسرا حزينا على إجابة المؤمن. ولكي تكتمل الصورة قد يقعد إبليس في ركن من القبر حتى يستكمل غوايته حتى آخر لحظة، وكأن الوقت وقت التكليف. ولا يثبت النبي ولا توجد أية رقية منه لمساعدة الميت، كما كان الحال في الدنيا عندما كان الوحي مساعدا للإنسان في مقابل الغواية، وكأن الإنسان في حياته كان له معين، ولكن بعد مماته يكون وحيدا بلا نصير.
ولإيجاد حل لكل هذه الصعوبات يلجأ إلى الأساس النفسي؛ إذ يخيل للإنسان أنه محاسب بين ملكين له خاصين، فهما له وللجميع في الوقت نفسه، في كل زمان ومكان، وكأن الأمر مجرد إحساس شعوري أو خيال شعبي يدل على تجربة إنسانية؛ تجربة الموت، وما قد يتخيله الإنسان المهموم بسلوكه وأفعاله لما قد يحدث بعد الموت. ويظل الإنسان مطاردا بالغواية والإيقاع حتى ما بعد الموت، في حياة القبر!
17
والحقيقة أن كل هذا الوصف إنما يأتي من الروايات والأخبار الضعيفة، والتي لم تعتمد عليها كتب العقائد المتقدمة ، بل امتلأت بها الشروح المتأخرة مستمدة مادتها من تآليف مستقلة عن علم أصول الدين، بعد أن أصبح موضوعا مستقلا تكثر فيه التآليف في فترات الانحطاط؛ تعويضا عن مآسي العصر وأحزان الزمان وهزائم المجتمعات وانهيار الدول؛ فتنشأ الأخرويات كتعويض عن الدنيويات، وكانتصار للروح بعد هزيمة البدن، وكأمل في المستقبل بعد ازدياد الكرب في الحاضر. كلها روايات وأخبار لا تتوافر فيها شروط التواتر، وفي مقدمتها الاتفاق مع العقل والحس ومجرى العادات، بل ولا حتى ترتقي إلى أخبار الآحاد. وهي على هذا النحو لا تعطي اليقين النظري أو العملي. لم يرد منها شيء في أصل الوحي الأول وهو القرآن، وليس في الحديث الصحيح كل هذه التفصيلات النظرية التي لا تهم السلوك العملي وتوجيه حياة الناس؛ فهي أمور لا تعم بها البلوى، ولا ترتبط بها مصالح الأمة. إنما يمكن فهمها بناء على تحليل التجارب البشرية، وهي ليست التجارب التي يعتمد عليها المتأخرون لإثبات حياة القبر الصحيح منها، مثل النوم أو المرض مثل الهلوسة وباقي الأمراض العقلية، أو ما سماه القدماء عجائب النفس، وما نشاهده من صور أو خيالات في النوم أو اليقظة، بل التجارب البشرية العادية، مثل الرغبة في قهر الموت وتجاوزه، واستمرار الحياة، والخوف من عواقب الأمور، وتحسب نتائج الأعمال.