تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأحكام الأموات أقرب إلى علم الفقه منه إلى علم أصول الدين؛ أي إلى علوم الفروع منها إلى علوم الأصول. وتشمل حكم الكفن والمؤنة والغسل والدفن، ومنها حكم الديون والوصايا التي تقضي منهم، ومنها أيضا حكم الميراث. أما الكفن والمؤنة، فمن رأس مال الميت كجزء من تصرفه الأخير، وقبل الديون والوصايا والميراث. وإن تطوع أجنبي بذلك إبقاء لتركته لديونه، فإنه يتم بموافقة ورثته. والتطوع خير وتعاون وبر بالآخرين. وللمقطوع قضاء بعض الديون إرضاء للطرفين؛ للميت وللحي على السواء، أفضل من الكفن والمؤنة. فإن لم يكن له مال فكفنه ومؤنه على من كان ينفق عليه في حياته، كرد للجميل وحسن للصنيع. فإن لم يكن ففي بيت المال؛ مال المسلمين ما يغني عن الجميع، فالأمة كفيلة بأبنائها في الموت إن تناستهم في الحياة. وكفن المرأة ومؤنها على الزوج، أو عند ذوي الأنساب منها. وإن لم يكن لها ذا ولا ذاك، أو كانوا ولكن عن عجز، ففي بيت المال غنى عن الجميع.

16

فمواراة الجسد التراب بكل مظاهر الاحترام والتكريم حق للإنسان يقوم به الآخرون عنه؛ ذوو القربى أو من ينوب عن الأمة. واحترام الجسد امتداد لاحترام الإنسان، واحترام الإنسان حيا كجسد وحقه في المأكل والمشرب والملبس والمسكن حق ممتد منذ لحظة الموت في الغسل والكفن والمؤنة، فلا تأكله السباع، ولا يترك جيفة، ولا يحرق فتذروه الرياح، أو يلقى به في البحر، أو يحنط حفاظا عليه من البلى، أو يوضع رفاته في حائط. إنما نشأ الجسد من الطين وإلى الطين يعود، وخرج من الأرض وإلى الأرض يعود.

أما حقوق الآخرين فيتم ردها بالبينة، وبشهادة الميت وقت الصحة، ثم وقت المرض، ثم بإقرار الورثة بعد الموت.

17

وتقسم حقوق الآخرين طبقا لنسبة الديون؛ إقرارا للعدل، وأداء للحقوق. فإن كانت التركة تفي بالديون، ولا يفيض منها شيء، قضيت؛ وإن كانت تقصر عن الديون، وكان صاحب الدين واحدا، قضي إليه بعد الكفن والمؤنة؛ وإن كانوا جماعة، وكان بعضهم أولى من بعض، كالمرتهن والمجني عليه وراد السلعة بالعيب ونحوهم، فهو مقدم فيما أولى به على غيره؛ فالحقوق أولويات، ورد الحاجة إلى المرتهن أولى من تعويض المجني عليه، وتعويض المجني عليه أولى من رد السلعة المعابة. وإن كانت ديونهم في الذمة، ولم يكن بعضهم أولى من بعض، قسمت التركة بينهم طبقا لمقادير ديونهم، فإن لم تكن كافية قسمت التركة بينهم طبقا لنسب ديونهم، فإن فضل شيء قضي كما أقر به الوارث؛ فحقوق الآخرين دين في رقبة الورثة، والورثة هم امتداد للميت، وللوفاء بحقوق الآخرين.

أما الوصايا والعطايا فإنها تقلل من حدة الميراث؛ فالمال للغير بصرف النظر عن الأنساب والأرحام وصلة الدم والقرابة. فالوصايا الثلث، وللورثة رد ما زاد منها على ثلثي الباقي من التركة بعد المؤنة والديون.

18

أما العطايا في المرض فقد تكون من الثلث، وقد تكون من رأس المال، إلا العتق في المرض؛ فإنه من الثلث.

19

وتقدم العطايا في المرض على الوصايا، وتقدم من كل واحدة منها ما قدمه إذا عجز الثلث عن الكل؛ فإرادة المحتضر وقرار آخر لحظة في حياته في النهاية له الأولوية على نسب التوزيع للتركة، وكأن الإنسان حتى آخر لحظة قادر على الفعل الإرادي الخاص قبل القانون الصوري العام.

أما الميراث، أي ما تبقى من التركة، فليس هناك إلا القانون الصوري العام طبقا لنسق القرابة. ولا تعني القرابة هنا مجرد النسب والعصب والدم، بل تعني درجة الارتباط بالميت والشعور به؛ الفرح بحياته والحزن بموته، لا فرق في ذلك بين ذكر وأنثى، بين الآباء والأجداد، بين الأبناء والأحفاد (النسب الطولي)، ولا فرق في ذلك بين أبناء الأعمام أو العمات (النسب العرضي)، ولا فرق في ذلك بين الزوج والزوجة بحكم العشرة المشتركة التي تعادل حكم القرابة والرحم، ولا فرق في ذلك بين العصبة والحلف، بين الحر والمولى المعتق.

من العقيدة إلى الثورة (٤): النبوة –‎ المعاد · الصفحة ١١٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من العقيدة إلى الثورة (٤): النبوة –‎ المعادص ١١٧