33
وهناك شبهات أخرى ضد الشفاعة يذكرها القدماء تجمع بين النقل والعقل، ويصعب تفنيدها؛ فروايات الشفاعة معارضة بمثلها، وتضعيفها لا يزيد على تضعيف روايات الشفاعة ذاتها، خاصة وأنها وردت في روايات أخرى تمنع الشفاعة عن قاتل النفس ومدمن الخمر وعاق الوالدين، وهي أمهات الكبائر التي تقضي على الحياة. وتعارض هذه الروايات أخبارا أخرى تسقط الفعل من الحساب، مثل: «من قال لا إله إلا الله دخل الجنة.» أو: «وإن زنى، وإن سرق.» أو «وإن قتل وشرب الخمر رغم أنف أبي ذر.» وهو ما يعارض أيضا روح الوحي وأصل العدل. وإذا كان العمل جزءا من الإيمان، فكيف تتم الشفاعة فيمن لا عمل له؛ أي لا إيمان له؟ وكيف تكون الشفاعة لكل مؤمن وإن لم يكن له عمل؟ إن فصل الإيمان عن العمل، وإخراج العمل عن الإيمان، إغراء على إتيان المعاصي، ودافع على ارتكاب الذنوب. ليس الظلم هو الشرك والكفر النظري، بل هو الظلم العملي؛ ظلم الأفعال:
الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم . ولا شفاعة تنفع الكافر لأجل أعماله، وليس لأجل نظره. وإن إخراج العذاب من أصل الإيمان والتوحيد وجعله في الكفار وحدهم مجرد نرجسية؛ حبا للذات وعداوة للآخر.
34
والحقيقة أن آيات الشفاعة تشير إلى النفي أكثر مما تشير إلى الإثبات؛
35
فالشفاعة لله وحده، وليس لدونه أية شفاعة.
36
وفي حال الإثبات لغيره تكون مشروطة برضاء الله وبإذنه، أو بعهد اتخذه الله مع الشفيع، أو لمن يشهد بالحق.
37
وتنكر الشفاعة بأسلوب السخرية والتساؤل، وكأن إنكار الشفاعة أمر بديهي لا يحتاج إلى إنكار.
38
وإن وجدت بصرف النظر عن الشفيع، فإنها لا تنفع في شيء، إما لفوات الأوان، أو لعدم استحقاقها.
39
وهي لا تكون على الإطلاق للظالمين أو للتابعين أو للمشركين الذين أشركوا في فعلهم آخرين معتمدين عليهم، تابعين لهم.
40
أما الشفاعة في الدنيا أهي خير أم شر، فذلك أمر إنساني خالص؛ أي من عمل خيرا أو شرا فجزاؤه من جنس ما عمل.
41
| خامسا: الموت
بعد إثبات قانون الاستحقاق ودوامه وشموله يبدأ القسم الثاني من المعاد، وهو تحقيق المعاد أو تنفيذه بالفعل في مكان المعاد، وطبقا لإجراءات المعاد. وهي السمعيات بالمعنى الدقيق؛ إذ قد يدخل الاستحقاق كقانون عقلي، إما في موضوع خلق الأفعال، أو في موضوع الأسماء والأحكام (الإيمان والعمل).
1
وقد تدخل السمعيات أيضا كأحد ملحقات النبوة، والنبوة في آخر مراحلها، وقد تتضخم فتصبح هي والنبوة نصف العقائد، كما كان التوحيد من قبل النصف الأول.
2
ولما كانت أحكام المعاد مبلغة من الرسول، فإنه يدخل كأحد جوانب السمعيات مع النبوات والأسماء والإمامة.
3
وفي العقائد المتأخرة وتحت أثر علوم الحكمة، تضمحل السمعيات كلها، ولا يظهر إلا المعاد، وهو ما سبقت إليه الفلسفة.
4
وأحيانا تختفي السمعيات في العقائد المتأخرة، كما أنها لم تكن قد ظهرت بعد في إحدى العقائد المتقدمة.
5
وكما تختفي السمعيات من إحدى الحركات الإصلاحية الحديثة تتضخم أحيانا في العقائد المتأخرة، وتمتلئ بالأحاديث الغيبية وبالتاريخ والتصوف .
6
وتبدأ المصنفات القديمة عادة بالسمعيات، ثم بقانون الاستحقاق على أساس أنه هو مقياس الحكم وأساس الحساب، في حين أن قانون الاستحقاق هو الأساس العقلي للسمعيات، وما السمعيات إلا تشخيص وتخييل وتمثيل له. وقد يتأرجح موضوع الشفاعة بين الاستحقاق العقلي والسمعيات التخييلية. ومع ذلك يبرز سؤال: هل يمكن وضع السمعيات في بناء عقلي؟ كيف يمكن أن توجد سمعيات في بناء عقلي؟ ونظرا لاعتماد السمعيات على الأخبار؛ أي على صدق النبي، ارتبطت بموضوع النبوة، في حين ارتبط الاستحقاق بموضوع العدل وهو من العقليات. فأمور المعاد كجزء من السمعيات مضادة لأصول التوحيد؛ فالجهل مضاد للمعرفة، والقبول مضاد للتأصيل.