12
وقد يعني الخصوص الاستثناء والمحاباة والتحيز، وهو نقض لقانون الاستحقاق؛ فإذا غفر الله لواحد غفر للجميع، وإذا عوقب واحد عوقب الجميع، فلا مجال للاختصاص ما دام الكل في المقياس النظري واحدا، إلا إذا تصورنا اختلافا في درجات المعرفة والفهم. وهنا يكون الحساب على أعمال الشعور الخالصة، وليس على أعمال الجوارح؛ أي الأفعال في العالم. وكيف يغفر للجميع، فيستوي صاحب الذنوب الكثيرة مع صاحب الذنوب القليلة؟ على أقصى تقدير يغفر للأكثر ثوابا والأقل عقابا، وهو أقرب إلى العقل. وإن إرجاع الموضوع إلى مشيئة الله لهو وقوع في الإرجاء دون حل للإشكال العقلي، وعود بالعدل إلى التوحيد، بل ناقض التخصيص والاستثناء التوحيد؛ لجعلهما المشيئة خاصة بفرد دون فرد، في حين أنها عامة لكل الأفراد. والعدل يقتضي معاملة الأفراد جميعا تحت قانون واحد، مع الأخذ بعين الاعتبار المواقف الخاصة لكل فرد، المراعاة ضمن القانون العام، والتي تكون فيها الأولوية أيضا للفعل الإنساني في التوبة.
13
والحقيقة أنه لا يمكن رد كل شيء إلى المشيئة الإلهية كما هو الحال في الإرجاء، وفي الوقت نفسه إصدار أحكام على منع التخليد للكفرة وعدم تخليد المؤمنين في النار، كما أن الإرجاء وقوع في مقياس مزدوج بالنسبة للكافرين وللمؤمنين، إثباتا لدوام العقاب للكافرين، وبانقطاعه عن المؤمنين. ولما كان الإرجاء يعتمد أساسا على روايات، وليس على براهين عقلية، فقد ظهر عدم اتساق بين إدخال الجنة للمؤمنين العصاة في النهاية وبين تعذيبهم؛ بين دوام الثواب وانقطاع العقاب، بين التخفيف والتخليد، بين القول بانقطاع العقاب ورفض الإحباط والتكفير، والموازنة التي تحاول فهم الانقطاع من داخل الدوام حتى ينقطع العقاب ويدوم الثواب؛
14
لذلك كان الأقرب إلى العقل هو إثبات الدوام للاستحقاق ثوابا كان أم عقابا؛ إيثارا للعدل حتى ولو أدى ذلك إلى التضحية بالعفو.
15
كما أن اعتبار الآيات للترغيب والترهيب قضاء على موضوعية الوعيد وشموله واستقلاله، وإن كان يدل على أن الهدف منها هو التأثير في النفوس وتوجيه السلوك، وليس الاستحقاق المادي ثوابا كان أم عقابا. وليس القصد من العقاب منفعة الله أو الإضرار بالإنسان والإجحاف به؛ لأنه ليس مسئولا عن أفعاله، بل القصد منه التأكيد على نتائج الأفعال كجزء من الأفعال ذاتها ومسئولية الإنسان عنها. فلو وقع الضرر بالإنسان من أفعال الغير فإن الغير يتحمل مسئولية هذا الضرر، ولا يرضى الإنسان إلا بأن يوقع العقاب على من أساء إليه.
16
قد يكون التخليد في النار يأسا وتشاؤما وقسوة، خاصة إذا كان رفض التخليد للمؤمنين والكفار على السواء، ولكنه يكون استحقاقا، ودوام الاستحقاق أكثر دفعا للإنسان وحثا له على تجدد الفعل عن طريق التوبة؛ أي قطع العقاب ودوام الثواب.
17
وهل من الصالح العام التشكك في عقاب مرتكب الكبيرة، وما أكثر القتلة وسفاكي الدماء، وناهبي أموال اليتامى ظلما، والمستعبدين رقاب الناس؟ إن العقاب على الكبائر نتيجة للفعل وليس حقا للمالك؛ فالإنسان لا يملكه أحد، بل هو فعله، وإلا ضاعت العلاقة الضرورية بين الفعل والأثر، أو بين العلة والمعلول. إن إبطال عقاب فاعل الكبيرة يناقض العقل والعدل، ويثبت اللامعقول والظلم. وهو مناقض أيضا للعادة ولحكمة الشعوب ولطبائع الأشياء كما بدت في الأمثال العامية وخبرات البشر، وهو مناقض للشرع؛ لأن الشرع يستلزم التوبة قبل العفو، والندم قبل المغفرة. وإن العفو قبل التوبة والمغفرة قبل الندم ليس مظهرا من مظاهر الكرم والمروءة، بل هو جور وظلم وعطاء لمن لا يستحق. إن الغاية من عقاب المسيء هي التربية والإعداد، وإن إبطال العقاب ينقض التربية، ويجعل الإساءة طبيعة. صحيح أن العفو أقرب إلى الطبيعة الخيرة من العقاب، ولكن ليس قبل تربية الشعور. إن العفو عن المسيء قبل إدراكه معنى الإساءة قد يلجئه إلى الإساءة من جديد؛ لأنها لم تكلفه شيئا من ضرر أو عقاب ما دام العفو قائما، كما هو الحال في الأخلاق اليهودية التي تجعل بني إسرائيل أبناء الله وأحباءه؛ وبالتالي لن يعاقبهم الله مهما بلغت إساءاتهم ومعاصيهم. إن إثبات دوام العقاب للمسيء ليس موجها ضد الخصوم؛ ضد الكافرين من المؤمنين، وضد الفرق الهالكة من الفرق الناجية؛ وبالتالي ليس سلاحا دينيا في خصومات سياسية، بل هو إقرار للعدل وإثبات للاستحقاق.