تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولكن إلى أي حد تكون هذه القسمة فاصلة حادة بين العلمين؟ ألا يوجد علم ضروري فطري بديهي يكون في نفس الوقت، على الأقل في نشأته، مكتسبا من التاريخ وتراكم المدركات الحسية، ومحاولات الصواب والخطأ التي عبر بها الفرد، وتتالت على الجماعة، والتي تحدد في النهاية تصورات العالم وخصائص الشعوب؟ «أنا حر» تجربة ضرورية، ولكن أكتسبها كل يوم بالممارسة حتى تتحول عندي إلى علم ضروري.

7

والعلم الفطري ليس فرديا فحسب بل هو علم جماعي وتاريخي يظهر في الأمثال العامية، وحكمة الشعوب، وهي فطرة الناس التي تتراكم، وتتوارثها الأجيال.

8

وإذا كان كل علم كسبي هو علما نظريا استدلاليا، فالكسب لا يأتي إلا بالنظر والاستدلال؛ ألا يمكن للكسب أيضا أن يأتي من الحس والمشاهدة والتجربة والعادة؟

9

وقد يمتد السؤال إلى بناء العلم كله متوجها إلى هذه القسمة الحادة الفاصلة فيكون: هل يمكن أن تتحول العلوم الضرورية إلى استدلالية والعلوم الاستدلالية إلى ضرورية؟ ليس السؤال: من الفاعل؟ هل هو فاعل خارجي «الإرادة الإلهية»؛ إذ إنها لا تثبت إلا بعد تأسيس نظرية العلم أو بفعل داخلي في الشعور نتيجة النشأة والتكوين في نظرية العلم، وهو أمر ممكن إثباته؟ مما لا شك فيه أن الحد الفاصل بين العلوم الضرورية والعلوم الاستدلالية صعب المنال؛ إذ لا يمنع العلم الضروري من نظر؛ إذ تختلف الضروريات في الوضوح والخفاء؛ لذلك يمكن تصور كل علم ضروري علما استدلاليا، وكل علم استدلالي علما ضروريا.

10

ولما كان العلم الضروري هو الأساسي فيمكن للعلم الاستدلالي أن ينقلب إلى ضروري دون أن ينقلب العلم الضروري إلى استدلالي بالضرورة. الحقائق المطلقة ضرورية، والحقائق الإنسانية قد تكون ضرورية أو استدلالية، وإذا كانت ضرورية تصبح حقائق مطلقة. ولكن لا يمكن أن تصبح الحقائق المطلقة استدلالية وإلا كانت حقائق إنسانية عرضة للخطأ والصواب.

11

وهناك شواهد عديدة تثبت وجود علم ضروري في أمور يظن أنها استدلالية مثل وقوع الحوادث على وتيرة واحدة ووفقا لقانون أو نظام لا يعني أنه علم نظري، بل قد يكون علما ضروريا مطردا في الطبيعة البشرية. أو مثل حدوث المعرفة الضرورية طبقا للدواعي والمقاصد فهي أدعى إلى أن تكون ضرورية منها إلى نظرية. لا يوجد إذن حد فاصل بين المعرفة الضرورية والمعرفة الاستدلالية؛ فإن ما يعرفه البعض ضرورة قد يعرفه الآخر استدلالا، وما يعرفه البعض استدلالا قد يعرفه البعض الآخر ضرورة. هذا بالإضافة إلى أن العلوم الضرورية هي المبادئ اليقينية التي يقوم عليها العلم الاستدلالي؛ فهما لا يكونان نوعين من العلوم، بل هما درجتان للمعرفة وفعلان متمايزان للشعور.

12

وقد تحولت هذه القسمة للعلم إلى ضروري واستدلالي في علم الكلام المتأخر؛ إلى قسمة منطقية نظرا لسيادة علوم الحكمة على علم أصول الدين، ونظرا لأن المنطق في علوم الحكمة آلة للعلوم، وبالتالي فهو يعادل نظرية العلم في علم أصول الدين. فالعلم إما تصور أو تصديق. التصور هو العلم الضروري البديهي، والتصديق هو العلم الاستدلالي الكسبي.

13

التصور بديهي لأنه «مشعور» به قبل طلبه، والتعريف بالماهية تعريف للشيء بنفسه أو تعريف يستلزم تعريفا آخر يقوم على تصور. فإما أن نقع في الدور أو نسلم بوجود تصورات بديهية ليست في حاجة إلى تعريف. لا يطلب التصور إذن لأنه بديهي، وإذا طلب تصور للنفس أو للروح فإنما ذلك تفسير لفظ أو طلب برهان وكلاهما تصديق. وعلى هذا النحو قد يصبح العلم الضروري هو تعريف مطلق العلم.

14

ويظل السؤال الأول قائما: هل يوجد تصور كسبي استدلالي نظري، وهل يوجد تصديق ضروري بديهي فطري؟ قد تحتاج بعض التصورات إلى نظر مثل الجزء والكل، والوجود والعدم، كما تحتاج بعض التصديقات إلى استدلال مثل وجود الله. وقد لا تحتاج بعض التصديقات إلى استدلال إذا أمكن تصور المقدمتين معا والانتهاء إلى النتيجة المباشرة. هناك إذن تصوران: تصور بسيط ساذج، وتصور يتضمن تصنيفا. كما أن هناك تصديقين: تصديق بسيط ساذج، وتصديق يقوم على أحكام متتالية. هناك تصور بسيط وآخر مركب، وتصديق بسيط وآخر مركب. والحقيقة أن التصورات والتصديقات ليست مقولات مستقلة للعلم، بل أفعال للشعور تتفاوت بين البساطة والتركيب. وقد تكون بعض التصورات السمعيات كسبية مثل «الجن» و«الملائكة». وفي هذه الحالة يجب أن تتفق مع شهادة الحس وبداهة العقل والوجدان، وبالتالي ترجع إلى الضرورية. أما التصديقات البديهية فهي إدراكات حسية يمكن الاستدلال عليها مثل قوانين الفكر الأولية.

من العقيدة إلى الثورة (١): المقدمات النظرية · الصفحة ٩٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من العقيدة إلى الثورة (١): المقدمات النظريةص ٩٦