وقد صاغ المعتزلة عدة حجج عقلية ضد التقليد لبيان استحالة النظرية والعملية، وضرورة الاستدلال؛ فالمقلد لا يستطيع تقليد المذاهب كلها؛ لتعارضها ولحاجة السلوك إلى مذهب واحد. ولا يمكن أن يكون الاختيار بينها مصادفة عشوائية أو بالمزاج والهوى، بل بالنظر والاستدلال، كما أن المقلد لا يقلد غير العالم؛ لأنه جاهل، بل يقلد العالم الذي له علم عن طريق غير التقليد، وإلا تسلسلنا إلا ما لا نهاية. وعلم العالم إما من العلم الضروري أو العلم النظري. والعلم الضروري مشاع عند الناس جميعا، يستطيعه المقلد وبالتالي فلا حاجة له إلى التقليد، والعلم النظري هو طريق العلم لأن النظر يفيد العلم. هذا بالإضافة إلى أن التقليد يؤدي إلى الخطأ النظري والخطأ العملي على السواء؛ لأنه خال من اليقين، في حين أن العلم يقيني في النظر، وبالتالي يقيني في العمل.
ولا يمكن تقليد الأكثرين لأن الكثرة حجة كمية والعلم كيف. وقد كان الأنبياء أقلية في قومهم وهم الأغلبية. وكان الدعاة والمصلحون أقلية في أقوامهم.
20
وكان أهل الحق باستمرار أقل عددا من أهل الباطل، وهذا لا يعني التنكر لدور الأغلبية أو إهمال مصالحها أو الإقلال من شأنها؛ فالأغلبية الصامتة يدافع عنها الأنبياء والدعاة والمصلحون، ويعبرون عن مصالحها، ويبعثون فيها النظر وحس العلم حتى تستنير وتستقل فتصبح قادرة على الدفاع عن حقوقها بنفسها وحتى تفرز طليعتها من ثناياها وهم العلماء والفقهاء والأمة، وتكون قادرة على قيادتها وحمايتها. وهذا لا يعني أيضا إنكار دور الأغلبية النظري في الإجماع والنزول على رأيها؛ فالإجماع أحد مصادر التشريع ودرءا لمخاطر الفردية والتسلط والاستبداد بالرأي. ولا يقوم الإجماع على تقليد، بل هو أخذ بالدليل النقلي أو العقلي أو المصلحي الذي يعلمه الجميع.
21
كما لا يجوز تقليد الأزهدين؛ لأن الزهد لا يعني العلم بالضرورة، بل قد ينشأ عن خطأ في الحكم وعلى جهل بالوحي وانحراف بالدين، كما هو الحال عند الصوفية وفي باقي الديانات، كما لا يعني الفضل بالضرورة، بل قد يكشف عن طمع مقنع ورغبة فيما هو أكثر؛ مما في أيدي الناس. هذا بالإضافة إلى أن الزهد ليس حقيقة نظرية وبالتالي فهو ليس دليلا أو برهانا.
22
ولا يمكن تقليد السلف لأن التقليد إنكار لدور العقل، ولضرورة التصديق، وللمسئولية الفردية، ولمهمة الإنسان في التجديد والتطوير والتغيير. تقليد السلف قضاء على الحاضر والمستقبل باسم الماضي، وإيقاف لمسار التاريخ على إحدى مراحله الماضية، فيتحدب التاريخ وتتقوس حركته ويتحول إلى كهف يغلف الإنسان، ويعيش فيه تحت قبوه، وكلما ازداد تمسك الإنسان بالقديم ازداد التحدب حتى ينهار التاريخ، ويتخلف الإنسان، ويلفظ أنفاسه خارج المسار، ويتحول إلى كائن من الحفريات يعيش في طي النسيان. ثم يزداد الأمر سوءا بتدخل التعصب؛ نظرا لغياب العائل والحس والاتصال المباشر بالواقع؛ فتقع الفتن ويحدث الشقاق. قد تكون النشأة الاجتماعية على دين الأسلاف نقطة البداية، ولكنها لا تكون نقطة النهاية بالضرورة؛ نظرا لتطور الوعي ونضج الإنسان وإدراكه لما يحيط به من أمور، وما يأخذه من مواقف. فالحياة تسير نحو الأفضل. إن تقليد السلف هو قول بتكافؤ الأدلة؛ نظرا لاختلاف أقوال السلف وعدم وجود مقياس للاختيار بينها أو للتحقق من صدق أحدهما. وقد رفض القدماء تقليد السلف بحجة جدلية تقوم على القسمة لمصدر التقليد، الله أو الرسول أو العقل، والمصادر الثلاثة تحرم التقليد، بنص القرآن، وبنص الحديث، وبنظر العقل. حتى إذا صعب على الإنسان الحصول على اليقين النظري فهناك اليقين العملي؛ يقين السلوك القائم على الطبيعة والصالح العام. التقليد إذن ضد العقل النظري وضد العقل العملي على السواء. والإنسان قادر بعقله وبعمله الصالح أن يسير وفقا لهداه.