7
ولا يعني إثبات الحقائق الوقوع في «الدجماطيقية»، وإثبات حقائق مستقلة عن الواقع، لا تتغير بتغيره؛ فالحقائق هو هذا الواقع نفسه على مستوى الإدراك. إذا تخلف الإدراك عن الواقع تحول الفكر إلى صورية خالصة، وإذا سبق الفكر تطور الواقع تحول إلى طفولة ومراهقة. ولكن تحويل الواقع إلى فكر ثم العود إلى الواقع للتأثير فيه هي حقيقة ثابتة. لا إثبات إلا لحركة الواقع وصياغتها بالفكر. التاريخ حقيقة أولى، مساره وحركته وتطوره، مثل حقيقة وجود النفس.
والعنادية مذهب من يعترف بوجود الحقائق، وبالتالي يكون أقل شكا من مذهب اللاأدرية الذي ينكر وجود الحقائق أصلا، وينفي إمكان معرفتها. وهو المذهب القائل بتكافؤ الأدلة واستحالة الوصول إلى اليقين حيث تتعادل المواقف كلها، وتتساوى الحجج، وتختلف الآراء وتتضارب الأقوال دون إمكانية ترجيح أحدهما على الآخر. كل الدلائل ينفي بعضها بعضا. ليس هناك دليل إلا وله دليل مضاد، ولا توجد حجة إلا ولها حجة مناقضة. ومن ثم تساوت الآراء في الحق والباطل؛ فهي إما كلها باطل وإما كلها حق. ولما استحال أن تكون كلها حق، فالحق لا يناقض الحق؛ فهي إذن كلها باطل لاستحالة تغلب حجة على أخرى أو دليل على آخر؛ وبالتالي ليس هناك رأي أو مذهب أصح من الرأي أو المذهب المعارض.
8
والحقيقة أن القول بتكافؤ الأدلة نفي لبداهات الحس وأوائل العقول ومعطيات الوجدان، مثل وجود النفس ووجود العالم بصرف النظر عن إثبات حدوثه أو نفيه؛ فالأدلة لا تهدم بعضها البعض لأن بداهات الحس وأوائل العقول ومعطيات الوجدان لا يختلف عليها اثنان، بل إنها مقاييس للخطأ والصواب. والقول بتكافؤ الأدلة إثبات لعلم يقيني لا يتساوى مع نقيضه وهو هذا القول نفسه، وذلك يثبت وجود حقيقة يمكن معرفتها. وهي حجة جدلية يقدمها القدماء لتفنيد رأي الخصم. وأن افتراض خطأ كل رأي يعني أن القول بتكافؤ الأدلة باعتباره رأيا خطأ، وبالتالي ينهزم المذهب لعدم وجود دليل، وهي حجة جدلية لتفنيد رأي الخصم. ولا يمكن أن تصدق الأحكام المتناقضة كلها على شيء واحد كما لا يمكن أن تكون كلها صحيحة لأنها متناقضة أو باطلة. لكل شيء حكم معين هو الحكم الصحيح، وما سواه باطل. الأحكام المتناقضة على الشيء الواحد لا تصدق معا ولا ترتفع معا على رأي المناطقة، بل بها صواب وخطأ، إذا صح أمرها بطلت الأحكام الأخرى. والسبيل إلى التمييز بينها هو البرهان. لا يوجد دليل يهدم دليلا آخر، بل هناك تفسيرات مختلفة تتنازع واقعة معينة. لا يوجد التناقض إلا على المستوى الصوري أو المادي، أما على المستوى الإنساني فيمن الاحتكام إلى الواقع العملي لمعرفة أي التفسيرات أصدق. تدل الأحكام المتناقضة على اختلاف وجهات النظر أكثر مما تدل على تساوي الحق والباطل وتعادلهما، تشير إلى البعد الذاتي أكثر مما تشير إلى البعد الموضوعي،
9
وتغيير الإنسان لوجهة نظره لا يعني تغيير الحق أو إنكار وجود حقيقة ثابتة، بل يعني تغيير الظروف والأحوال والمادة وتقييم الحكم طبقا للأدلة الجديدة، وذلك على مستوى تعين المبدأ في الواقع وليس على مستوى المبدأ ذاته. إن كل حكم إنساني هو حكم تقريبي مشروط بدقة البحث وسلامة الإدراك. وقد ينتقل الإنسان من خطأ إلى خطأ حتى يعثر في النهاية على الصواب. ويرجع الخطأ والصواب في الأحكام إلى شمول الحكم واتساعه. الحكم الضيق لا يصدق على واقع أشمل، والحكم الشامل قد لا يصدق على واقع أضيق إذا كان متفردا. قد يكون الانتقال من رأي إلى آخر هو انتقالا من رأي أقل صوابا إلى رأي أكثر صوابا، وهذا الانتقال ذاته إقرار بوجوب الصواب. وطريق الانتقال هو البرهان حتى يتم الوصول إلى اليقين. يمكن إذن الانتقال من رأي إلى آخر بشرط توافر حسن النية؛ إذ ينضج الإنسان مع تقدم العمر، وتصح آراؤه بدقة البحث وتغير المناهج ومستويات التحليل، وربما لاختلاف اللغة والمصطلحات. وذلك طبيعي؛ نظرا لما يحدث في حياة الإنسان من تطور فكري ونضج علمي، ووعي اجتماعي. إن ثبوت الحقائق لا يعني جمودها من حيث الصورة أو المضمون.