47
ويمثل هذا التقسيم الذي صاغه القدماء تقدما بالنسبة لعقليتنا المعاصرة. لقد استطاع القدماء التمييز بين الاعتقاد والعلم، بين الاعتقاد الجازم وغير الجازم، وبين الاعتقاد الجازم المطابق وغير المطابق. ولكننا في حياتنا المعاصرة خلطنا بين هذه التمييزات بين العلم والاعتقاد. فكثيرا ما «نعتقد» أو «نظن» أننا نعلم بل وكثيرا ما يسود الاعتقاد حياتنا دون العلم؛ نظرا لغياب المطابقة مع الفكر أو مع الواقع؛ لذلك غاب التحليل العقلي من حياتنا، كما انعزلت اعتقاداتنا عن واقعنا الذي نعيش فيه. كما أننا لا نفرق بين الاعتقاد الجازم وغير الجازم؛ لأننا أقرب إلى الجزم في كل شيء، ونخشى من الشك والتردد في مواقف تحتم النظرة النقدية كما هو الحال بالنسبة للموروث أو أننا نشك أو نتردد في مواقف تحتم الجزم والحسم كما هو الحال في مواجهة السلطة، وحق الشعب في الرقابة عليها، وممارسة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وضرورة التصدي للقضايا المصرية، وعقد حوار وطني شامل حولها، قضايا تحرير الأرض، واسترداد الحريات المغتصبة، وإعادة توزيع الثروة، والوحدة والتجزئة، والتخلف والتقدم، والهوية والتغريب، وتجنيد الجماهير. كما لا نفرق بين الاعتقاد الجازم المطابق وغير المطابق؛ فكثير من اعتقاداتنا الجازمة غير مطابقة تعارض العقل والواقع والتاريخ، ونسلم بها تقليدا. أصبحت اعتقاداتنا متخلفة عن حركة الواقع وتطور التاريخ؛ مما دعا البعض منا إلى لفظ هذه الاعتقادات كلية من أجل اللحاق بحركة الواقع ومسار التاريخ؛ لم يكن أمامهم إلا هذا الخيار. ولا نفرق بين المطابق عن غير سبب مثل التقليد والإلهام والذي هو عن سبب وهي البديهيات العقلية والحسية والاستدلال النظري؛ فكثير من اعتقاداتنا الجازمة المطابقة تقوم على التقليد والإلهام، وتغفل البداهة العقلية والحسية والاستدلال النظري، وكثير مما نظنه بداهة عقلية أو حسية يصدر عن الذائعات وهي الشائعات أو المشهورات والمظنونات التي تروج لها أجهزة الإعلام تضليلا للشعوب ومحوا لرؤيتها المباشرة للواقع، وكثير مما نظنه استدلالا نظريا هو في الحقيقة تبرير يقوم به العلماء المأجورون لما تريده السلطة فيبيعون علمهم في سوق السياسة، ويتبارى العلماء في الصياغة وفي المهارة، وهي تقوم كلها على المغالطات. ما زال يمثل النسق العقلي القديم بالنسبة لحالتنا الراهنة تقدما، ويظل مقياسا لحياتنا العقلية المعاصرة.
48
فقد سادت في حياتنا مضادات العلم أكثر من العلم؛ أي الظن والوهم والجهل والتقليد باستثناء الشك لأن ما فينا من قطعية وجزم يمنعان ظهوره، وغاب منا النظر وطرقه.
| ثانيا: تعريف العلم
لما كان علم الكلام «علما»، فإن السؤال يكون: وما هو العلم؟ وما تعريفه؟
1
وبالرغم مما يبدو على التعريفات من مسائل نظرية خالصة إلا أن أهميتها ترجع إلى أنها ضرورية لتعريف العلم قبل تأسيس علم الكلام. وهو ما حدث أيضا في علم أصول الفقه وعلوم التصوف بتحديد كلمة «علم» دون علوم الحكمة التي جعلت المنطق مدخلا لها وآلة للعلوم جميعا. ولا يمكن الحديث عن تعريف «علم الكلام» دون معرفة أولا بتعريف العلم؛ أقسامه، وشروطه، وطرقه. البحث عن إمكانيات المعرفة الإنسانية إذن سابق على تأسيس هذه المعرفة ذاتها. وربما لا تسمح قدرات العلم الإنساني بإقامة «علم إلهي» يدعي أنه يصدر أحكاما على الله في ذاته، وهو في الحقيقة يتحدث عن طريق القسمة والمثال أو عن طريق التشبيه والقياس؛ قياس الغائب على الشاهد. معرفة إمكانيات العلم إذن مطلب أساسي لتأسيس العلم وقبل الحديث عن أي علم. وقد أسقطنا نحن في حياتنا المعاصرة هذا الجزء من علم الكلام وبدأنا بالذات والصفات والأفعال كما هو الحال في علم الكلام المتأخر دون حديث عن إمكانية العلم بمثل هذا الموضوع وشروطه.