تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

19

والثانية نصوص موافقة، يمكن أن يثق بها القراء، تساعدهم على النقد والرد والتطور، وحتى يعلم القراء أن مواقفي لم تأت من فراغ، وليست مجرد هوى، بل لها ما يدعمها أيضا عند القدماء، ولكنها انزوت واختفت باختفاء المعارضة واستتباب النظام، والثالثة نصوص محايدة يمكن إعادة بنائها، وتكون نموذجا لعينات من التحليل، يعاد صياغتها من جديد أو ينسج على منوالها بتحليلات جديدة في المناهج أو في الموضوعات، ولكن الغالب هو النصوص المخالفة، فالغضب أهم من الرضا، والحزن أجدى من الفرح، على الأقل في لحظة الهزائم الحالية، والثورة على القديم أوجب من الإيمان به. ربما استكثرنا من النصوص، وربما تكررت لدرجة أنها قد تصبح نصف الدراسة أو على الأقل ربعها حتى تتضخم الدراسة وتصبح صعبة على القراء في عصر لا يود إلا السرعة ولا يتحمل إلا العرض السريع المقتضب.

20

والحقيقة أننا أردنا الدراسة شاهدا على التراث والتجديد معا، وصورة للماضي والحاضر في آن واحد، وذلك حتى يرى القراء كيف يخرج القديم من الجديد، وكيف يخرج الجديد من القديم، وحتى تكون عونا لكل طالب علم أو قائد أمة. من أراد القديم وجده، ومن أراد الجديد وجده، ومن أراد الاثنين معا وجدهما معا، وقد سبب هذا ربما طولا لا فائدة منه، ولكنه ضروري؛ فالدخول في أعماق التراث هي الخطوة الأولى لاكتشاف الجديد، ولا ينفع مس التراث على نحو سطحي بإشارات عابرة؛ لأنه موضوع البحث والتحليل. «التراث والتجديد» فيه غناء عن التراث الماضي لأنه يجمع ويعرض التراث كله كشاهد على التحليل وكمصدر له حتى تتم المقارنة بينه وبين الجديد حتى يكون القارئ حكما ويكون قاضيا، وقد تكون هناك عدم دقة في فهم النصوص أو خطأ في فهم التحليلات، ولكن ذلك يحدث في كل بحث، وحتى على افتراض وقوع خطأ في فهم نصف المادة وفي نصف التحليلات يبقى المنهج سليما، ويظل الموقف صحيحا يكشفه النصف الآخر من الفهم والتحليل الصحيحين، قد نتخلى أحيانا عن دقة التعبيرات، ونسقط الفروق الدقيقة عن قصد لأن المقصود ليس البحث عن الدقيقات، بل عن أمهات المشاكل، كيف نشأت؟ وما دلالتها؟ هل تفيد معنى أم أنها تحصيل حاصل؟ هل تعبر عن وقائع أم هي تعبيرات إنشائية خالصة؟ لا تحتوي الدراسة على معلومات، فالمعلومات محفوظة في القديم بوضوح وتمام وكمال، ولكنها تحتوي على تحليلات، وإعادة وضع للمشاكل وضعا صحيحا، وإعادة بناء لها طبقا لروح العصر؛ ولذلك فهي تحتاج إلى مشاركة من القارئ الذي بإمكانه إقامة هذه التحليلات بنفسه، إن وجدها صحيحة وافق واتفق، وإن وجدها مخالفة خالف ورفض؛ وذلك لأن هذه التحليلات تعبر عن حياته وعن موقفه، وعن وجوده في هذا العالم، وعن مساره في حركة التاريخ.

وقد كان القدماء على وعي بالكم، فكثيرا ما كان الدافع على التأليف هي مؤلفات مطولة مسهبة، أو مختصرة مخلة، ثم يأتي المؤلف الجديد لتحديد الكم المتناسب بين التطويل الممل والإيجاز المخل، وفي الغالب لا يتحقق الغرض فالذي يريد الاختصار يطيل، والذي لا يريد التكرار يكرر، وقد يقصد المؤلف التكرار من أجل البيان، أو لأجل حياد العرض أولا ثم صدق النقد ثانيا.

21

ويطيل المؤلف إذا كانت مصنفاته إملاء أو تدوينا من تلميذ أو مريد، ومن ثم يحتاج إلى تلخيص وتركيز، أو إذا كان جامعا لمادة سابقة، فإنه يحتاج إلى تركيز لأن الجمع كثيرا ما يتكرر أو إذا كان جدلا أو تفنيدا أو ردا، وذلك أنه يحتاج إلى إبراز رءوس الموضوعات التي تكون البناء الرئيسي للعلم، قد تكون الإطالة بلا مبرر، مجرد إسهاب، وقد تكون تشويشا على المذهب حتى تفقده أساسه العقلي، وقد يكون الاختصار مخلا بالمذهب غير منصف له ودون تبرير كاف لأسسه العقلية، خاصة لو كان المؤلف من خصومه، فإنه يبخسه حقه، ولكن معظم المؤلفات تركز على ضرورة الاختصار.

من العقيدة إلى الثورة (١): المقدمات النظرية · الصفحة ٧٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من العقيدة إلى الثورة (١): المقدمات النظريةص ٧٣