تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

14

لم نستعمل مؤلفات شيعية لأن الفكر الشيعي ليس موجها لسلوك الجماهير، وليس مخزونا فكريا عندها بالرغم من حب آل البيت، وتقديس ولاة الله الصالحين في الدين الشعبي. كان يجوز الاعتماد على مصنفات شيعية لو كان المؤلف إيرانيا أو لو كان الفكر الشيعي سائدا وموجها سلبا أم إيجابا، ولا يعني هذا الانقطاع عن الفكر الشيعي والانعزال عنه؛ وذلك لأنه نمط مثالي يوجد في كل عصر، ويظهر في كل حضارة، ويتكرر في كل زمان ومكان، ربما لو شئنا إقامة حوار بين الفكر الشيعي والفكر السني الآن لجاز تناول الفكر الشيعي، ولكن مهمتنا ليست إجراء مثل هذا الحوار الذي يفصمه التاريخ وتمنعه الأحقاد والضغائن المتوارثة، بل الرجوع إلى وحدة الفكر الأولى وربطه بواقع المسلمين الحالي، فالوحدة تأتي من الفكر ومن الواقع، وليست من توحيد العقائد التاريخية أو إجراء حوار بينها لا يتعدى بعض المتخصصين المتفيهقين، ولا يتجاوز اهتمام الساسة وأهل المراسيم.

ولم نشأ التركيز على صلة الكلام بالعلوم الأخرى، فذلك موضوع آخر.

15

ولكننا أشرنا إليها بمقدار إشارة علم الكلام إليها إما عرضا في نقد بعض التصورات الفلسفية خاصة بقدم العالم والمادة أو بعالم الأفلاك أو بعض مدارك العلوم في التصوف فيما يتعلق بالإلهام أو بعض الأحكام الشرعية فيما يتعلق بالنسك. والإشارة إلى أصول الفقه أوضح لأن علم أصول الدين وعلم أصول الفقه كلاهما علم للأصول، أما الإشارات إلى علم الكلام من العلوم الأخرى فذلك أدخل في هذه العلوم منها في علم الكلام، فذكر علم الكلام في علوم الحكمة يبين موقف علوم الحكمة من علم الكلام وليس موقف علم الكلام من علوم الحكمة، وكذلك الإشارة إلى علم الكلام في علوم التصوف تبين موقف علوم التصوف من علم الكلام أكثر مما تبين موقف علم الكلام من علوم التصوف، هذه المادة الكلامية لا تدخل في بناء علم الكلام، بل تدخل في أبنية العلوم الأخرى.

16

ولم نشأ الاعتماد على منهج النص، وذكر كل النصوص الدينية التي تعتمد عليها هذه الفرقة أو تلك، فبالرغم من أن هذه النصوص أصل للفرقة ولنشأة الاتجاه إلا أنها أصل واحد، وهو الأصل الفكري أو العقائدي، وهناك أصل ثان وهو الدوافع النفسية والمصالح الشخصية والظروف الاجتماعية التي امتلأت النصوص بها ففسرتها وأولتها، النصوص مجرد قوالب يمكن ملؤها حسب مقتضيات كل موقف، فالموقف هو الأصل المحدد لا النص، وهو ما نريد إعادة بنائه لمعرفة الدوافع النفسية والظروف الاجتماعية التي من خلالها نشأت الفرقة وخرج المذهب، الاعتماد على النصوص وحدها هو تفسير للفكر وللواقع من خارجهما، وكأن الأفكار والوقائع توجد فقط بوجود النصوص، وكأن الألفاظ لها الأولوية على المعاني والأشياء. صحيح أن النصوص نفسها أساس جميع المذاهب، ولكن لا يمكن من خلال النصوص وحدها معرفة تنوع هذه المذاهب وتفرقها وتشعبها، بل وتضاربها وصراعاتها حتى الموت، هذا بالإضافة إلى أنه لا يوجد نص لا يمكن تأويله، ولا يوجد نص صريح الدلالة إلا وله نص صريح مقابل، النصوص إذن لا تفسر نشأة فرقة على التحديد، بل تفسر جميع الفرق وجميع الاتجاهات مهما بلغ تضاربها وتشتتها، كما أن الاعتماد على النصوص يكسر اتساق تحليل الواقع كما يكسر اتساق الخطاب النظري، إن تحليل الواقع يعتمد على تحليل الوقائع نفسها وعلى وصف الأشياء على ما هي عليه، ولن يلغي النص الواقعة إذا كانت موجودة كما أنه لن يوجد واقعة إن لم تكن موجودة، كما يقضي النص على استقلال الخطاب، ويجعل الفكر قائما على براهين خارجية عنه، وهي ظنية في حين أن الدليل أساسا هو الدليل العقلي؛ أي الدليل اليقيني الداخلي، ولما كانت الأدلة العقلية كل منها يصدر عن الآخر، فإن الموضوع يتحدد ببداهة العقل، والنص لن يغني عن الدليل العقلي إن غاب، ولا ينقض الحجة العقلية إن وجدت.

من العقيدة إلى الثورة (١): المقدمات النظرية · الصفحة ٧١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من العقيدة إلى الثورة (١): المقدمات النظريةص ٧١