تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

في هذه المقدمات الإيمانية تتحدد علاقة الإنسان بالله، ليس فقط على مستوى المعرفة والنظر، بل أيضا على مستوى السلوك والعمل؛ فالإنسان يحمد الله على نعمه، ويشكره على فضله، مما يجعل العلاقة أحادية الطرف، من واهب إلى موهوب، ومن معط إلى معطى، وتجعل الإنسان مجرد وعاء للنعم، ومستقبل للعطايا، ومنتظر للجود والإحسان، قد يرفض الإنسان بطبيعته الكرم والفضل، وقد ينفر من الهبات والعطايا؛ لأنه يأبى أن تكون يده هي السفلى، ويد غيره هي العليا، وإن كثيرا من مآسي عصرنا لهو انتظار الكرم والجود، والتشوق إلى الهدايا والعطايا، والتزلف من أجل هبات السلطان حتى أصبح العصر كله عصر تعايش وارتزاق، بل إن سلبية الجماهير اليوم قد ترجع إلى أن معظم مظاهر التغير الاجتماعي في حياتها قد تمت أيضا بفعل الجود والكرم، وكأنها هبات من أعلى، وليست مكتسبات حصلت عليها الجماهير بعرقها وكفاحها، فإذا حصلت الجماهير على بعض حقوقها، فإن الحاكم لم يتفضل عليها بشيء، بل نالت حقها، وحقها ليس منة ولا فضلا عليها من أحد، وقد يكون هذا هو السبب في معاناة عصرنا من اعتبار كل حق منة أو فضلا من رئيس على مرءوس.

فإذا كان القدماء قد حمدوا الله على الكفاية، فإننا نتجه بكل قوانا نحو الناقص ونتوجه إلى ما لم يتحقق بعد، اتجاهنا نحو الحاجة أقوى من نزوعنا نحو الحمد، والحمد على ما هو موجود فيه رضاء واستكانة، والثورة على ما هو مفقود فيه غضب ومطالبة بحق، حالنا لا يتطلب حمدا ولا ثناء على أحد، بل يقتضي رفضا واعتراضا، مطالبة وثورة، نحن لا نحمد بل نتضجر، ولا نرضى بل نغضب، ولا نثني بل ننقد، ولا نشكر، فلا شكر على واجب، بل نثور ونطالب، إن الإحساس بالحق المشخص يعطي الإنسان نوعا من الرضا، ويجعل نفسه طيبة طيعة حامدة شاكرة، وهذا على خلاف مقتضيات تكويننا النفسي المعاصر الذي يشوبه القلق والغليان، وتعتريه عواطف السخط والغضب، يئن تحت ضغوط العجز والحرمان،

7

فإذا طلب الإنسان شيئا فإنه يدعو كي يستجاب له، ويسأل كي يعطى له، فتكوينه النفسي قد تعود على السؤال والاستجداء، واعتاد على الشحاذة والتسول، ولن يتغير الواقع عن طريق الدعاء، ولن يطعم جائع بطريق الاستجداء، ولن ينصر مظلوم عن طريق البكاء! الدعاء تعبير عن أماني ورغبات وليس تحقيقا لها، هو حيلة العاجز، وفعل القاعد، وأسلوب القعيد، وطريق الخامل، وسبيل المستكين، وقد بدأنا تغيير الواقع بالدعاء منذ تراثنا القديم ولم يتوقف حتى عصرنا الحاضر،

8

والخطأ لا يتغير بالتوبة والاستغفار، بل بالتعلم والاستفادة منه، والعود من جديد إلى القيام بنفس الأفعال على أساس من المناعة ضد الخطأ والاكتساب النظري والعملي للصواب، لا يوجد ملجأ للإنسان إلا عمله، ولا نجاة له إلا بعمله المشترك مع الآخرين أي بالعمل الجماهيري الذي تؤيده حركة التاريخ، إن الحصول على القوة لا يأتي بالدعاء للقوي، وباستجداء واهب القوة بل يحصل عليها بالاستعداد، والحصول على القوة بالفعل.

ثم تنتقل المقدمات الإيمانية التقليدية من محورها الأول، وهو الله، إلى محورها الثاني، وهو الرسول، وهما المحوران اللذان دار حولهما علم أصول الدين في المرحلة العقائدية المتأخرة، وتشرع في الصلاة والتسليم عليه،

9

وفرق بين الصلاة والعلم، بين الترانيم الدينية والتحليلات العقلية، البحث العلمي ليس صلاة، والنظر العقلي ليس دعاء، وسلامة المنهج هو الضامن لليقين، ودقة التحليل هو السبيل إلى الصواب، والتركيز على الرسول بشخصه، وفضله، وكرمه، ومآثره، وفضائله، وسجاياه، تشخيص للرسالة، وتركيز في الوحي على المبلغ إليه، وخلط بين الرسالة والرسول، والنبوة والنبي، ومدح الوحي المشخص في النبي تشخيص للفكر مثل تشخيص الحق، والقدوة لا تعني التبعية لشخص والثناء عليه ومدحه، بل تعني تجربة تاريخية فريدة، وأن الفكر ممكن التحقيق، تجربة يستفاد منها ولكن لا يمتدح محققوها، الهدف هو التجربة، كيف يتحول الفكر إلى واقع، وليس الأشخاص.

من العقيدة إلى الثورة (١): المقدمات النظرية · الصفحة ٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من العقيدة إلى الثورة (١): المقدمات النظريةص ٣