14
وقد تكون علاقة الموجود بالمعدوم علاقة لغوية منطقية صرفة يعبر عنها بلغة الإثبات والنفي. فالمعلوم إما أن يكون متحققا في الخارج وهو الوجود أو غير المتحقق في الخارج وهو المعدوم. المعلوم متحقق في الخارج وليس مجرد وجود ذهني وإلا كان معدوما. فالمعرفة والوجود متطابقان. وتدخل في هذا التطابق نظرية الحكم. ومن ثم يكون الوجود هو الثابت والمعدوم هو المنفي، فالثابت أعم من الموجود والمنفي أعم من المعدوم. يدخل الوجود والعدم إذن في نظرية أعم هي نظرية الإثبات والنفي. وبالتالي ترجع نظرية الوجود إلى نظرية الحكم، وهي التي تجمع بين نظرية الوجود ونظرية المعرفة.
15
وتتفاوت درجات المعدوم من العدم المنطقي المطلق وهو التناقض إلى العدم الناشئ عن غياب القدرة، ولكن يمكن أن يوجد إن وجدت. وقد ينشأ العدم من الزمان كالأشياء التي وجدت في الماضي ثم لم تعد توجد في الحاضر، أو من الأشياء التي لا توجد في الحاضر، ولكنها قد توجد في المستقبل؛ فالعدم يحيل إلى القدرة والزمان؛ أي إلى البعد الشعوري في العدم باعتباره أحد عناصر الموقف الإنساني في علاقاته بالأشياء وبالآخرين.
16
أما أحكام العدم فيقع فيها الاختلاف طبقا لتصور العدم؛ فعند البعض المعدوم ليس بثابت وعند البعض الآخر المعدوم ثابت. في الحكم الأول الذات هي الماهية، إذا عدمت الذات عدمت الماهية. وفي الحكم الثاني الذات زائدة على الماهية، إذا عدمت الذات بقيت الماهية.
17
الحكم الأول أقرب إلى نفي العدم كشيء، والثاني أقرب إلى إثباته. أما الأحكام المنطقية الأخرى فهي ذاتها أحكام الوجود ولكن بصيغة النفي مثل: عدم المعلول يؤدي إلى عدم العلة، وعدم المشروط يؤدي إلى عدم الشرط، وعدم الضد يؤدي إلى صحة الضد الآخر.
18
والحقيقة أنه لا يمكن إدخال الوجود والعدم كمادة للحكم في قضايا محلية دون تجارب شعورية للوجود والعدم. حينئذ لا تكون أحكام الوجود والعدم أحكاما عقلية صورية بل أحكام شعورية. ولا يكون صدق الحكم مطابقة عالم الأذهان مع عالم الأعيان، بل مطابقة الحكم مع مضمون الشعور. الوجود والعدم تجربتان شعوريتان وليسا موضوعين صوريين أو منطقيين.
19
وقد يكون الخلاف بين الإنكار والإثبات لا يصدق على نفس المعنى، فالإنكار يتصور العدم سلب إيجاب، والإثبات يتصوره عدم ملكة. فقد يكون النزاع في نهاية الأمر لفظيا.
20 (1-3) هل المعدوم شيء؟
عند المعتزلة المعدوم الممكن شيء؛ لأن الماهية غير الوجود. ومنعه الأشاعرة لأن الوجود عندهم نفس الحقيقة. وعند الحكماء الشيئية تساوق الوجود فالمعدوم في الذهن معدوم في الخارج، فهم أقرب إلى الأشاعرة.
21
ويعتمد إثبات العدم على سببين. الأول: أن المعدوم متميز وأن كل متميز ثابت. والحقيقة أن العدم نفي كالممتنعات والخيالات وليس ثابتا. والثاني: أن المعدوم متصف بالإمكان وأنه صفة ثبوتية. والحقيقة أن الإمكان ليس ثبوتا، بل مجرد إمكانية وجود. كما يعتمد على حجة دينية خالصة مؤداها أن المعدوم في الأزل ليس «الله» وهو غيره، والغيران شيئان! والحقيقة أن ذلك كله من عمل الخيال فلا يوجد أزل كواقع وشيء، ولا يوجد «إله» مغاير له؛ فهذه كله افتراضات مسبقة وتمرينات عقلية لتأصيل العواطف الدينية التي تعبر عن نقص في التعقيل وعن ضعف في الوعي الاجتماعي، وعن قصور في رؤية الواقع. ويعتمد نفي العدم على حجج صورية منطقية مثل أن الثبوت أمر زائد على الذات والعدم ليس كذلك أو أن العدم أقل تناهيا من الوجود أو أن العدم قبل الوجود صفة نفي أو أن العدم صفة نفي أو أن العدم زوال للتمايز، وكلها تنزع العدم من مجرد موقف شعوري إلى إثبات وجود موضوعي له. فالإثبات والنفي حكمان منطقيان، والعدم غياب وجود وليس أقل منه تناهيا. الإثبات أعم من الوجود والنفي أعم من العدم. في الإثبات والنفي صدق وكذب واتساق وتناقض لا وجود لهما في الوجود والعدم؛ لذلك انتهى جمهور المتكلمين إلى أن القول بثبوت المعدوم ينفي المقدورية؛ أي قدرة الفعل على التغير وعجزه أمام العدم وافتراض العدم أساس الوجود، والوجود قائما عليه. ولو كان العدم ثابتا لانتفت القدرة التي تريد تحويل العدم إلى وجود ولكان العدم واجبا لا يمكن تغييره وتحويله إلى وجود ممكن أو إمكان وجود. ولو ثبت المعدوم لكان أعم من النفي وأقوى منه؛ وبالتالي استحال رفضه أو تحويله إلى وجود أي إلى أساس. المعدوم ليس شيئا وإلا خشي منه الناس وأثبتوه عجزا عن مقاومته، وسلموا به ضعفا وخورا، يأسا واشمئزازا، كرها للنفس وللآخرين، وبصاقا على العالم. لا يمكن أن تكون للمعدومات الممكنة قبل وجودها ذوات وأعيان وحقائق، فهذا إيهام للناس بوجود المعدومات كحقائق، بل هو غياب الوجود ونقص الهبة وضعف الفعل وتخاذل الناس على تحقيق الوجود. الذوات في العدم معراة من الصفات ولا توصف بصفات الأجناس لأنها ليست وجودا مثل الحياة أو الجواهر أو الأعراض.