24
النبوة مجرد حرف بلا معنى، والولي أو الإمام هو الذي يعطي الحرف معناه.
25
وهو علم واحد لا اختلاف فيه؛ فالاتفاق صحة، والاختلاف بطلان. وعلامة الحق الوحدة، وعلامة الباطل الكثرة. والوحدة مع الإمام، والكثرة مع أعدائه. والجماعة مع الإمام، والمجتمع المضاد مع أعدائه. وهناك علم الميزان يمايز بين الاثنين، مستقى من الشهادة، كنفي وإثبات أو كنفي واستثناء في «لا إله إلا الله». فما يستحق النفي باطل، وما يستحق الإثبات والاستثناء حق. وعلى هذا النحو يمكن وزن الصدق والكذب والخير والشر وكل المتضادات، وقياسها به.
26
والإمام يعلم كل شيء، ما كان وما يكون وما سيكون، لا يند شيء عن علمه، في حين أن الرسول كان كاتبا يعلم اللغات والحروف! ويشمل علمه الأمور النظرية والعملية على حد سواء. قد يأتي علم الإمام من الوحي مباشرة أو قد يأتيه من قبل الإمام السابق. فإن لم يحدث تطابق بين العلم والمعلوم تم اللجوء إلى «البداء»؛ أي حدوث تغير في العلم الإلهي! فالإمامة هنا كالولاية متممة للنبوة ومكملة لها. والعلم واحد، فهو يتناسخ من شخص إلى شخص، يكون في شخص نبوة، وفي شخص آخر إمامة، وفي شخص ثالث ولاية. والحقيقة أن وظيفة الإمام عملية صرفة في سد الثغور والدفاع عن الحدود وتجهيز الجيوش وتحصين القلاع ورد المظالم وأخذ الحقوق. وإن تهاون في التطبيق، ولم يستمع للنصح أو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وجب عزله؛ فالإمامة ولاية لا بمعنى الصوفية، بل بمعنى الوظيفة؛ أي تأدية الواجبات، وهي مستقلة عن شخص الإمام.
27
وتتمثل خطورة العلم والتعليم في اعتباره حكرا على فئة معينة هي المتصلة بالإمام بعد أن كان مشاعا للجميع، بل لا يحق لأحد سوى الأئمة الاطلاع عليه، ولا يجوز لأحد أن يرتفع إلى درجة الإمام حتى يمكنه الاطلاع على العلم؛ لأن الإمام من عصب الإمام الأول. فالعلم حكر على عصب. كيف وقد يخرج الابن جاهلا أو معتوها من أب عالم أو ملهم؟
28
كما يؤدي ذلك إلى إنكار العلم مطلقا لما كان العلم متوارثا وليس كسبا واجبا على كل مكلف. والعلم الضروري منه أيضا ما هو شائع وموجود في كل عقل وفي كل طبيعة بشرية، ولا يمكن توريثه، والنبوة ذاتها لا تورث. العلم المتوارث مضاد بطبيعته للعلم المكتسب وقصر المعرفة على السلالة والأنساب، في حين أن مصدر المعرفة هو الواقع ذاته الذي استمد منه الوحي محاولا تنظيره.
29
وإذا كان العلم سرا فإنه لا يمكن لأي أحد فهمه، ولا بد من انتظار الإمام حتى يكشف له ما غمض عنه من العلم، ويظل الإنسان يجهله، فليس لديه ما يستطيع به أن يعلم أو يعرف، في حين أن الوحي معطى للجميع لا سر فيه، بل إن مقولة السر مضادة بطبيعتها لمقولة الوضوح الذي يعبر الوحي عن نفسه من خلالها. وعادة ما تروج مجتمعات القهر لمقولة السر حتى لا يتساءل الناس، ولا يكشفوا أسباب القهر والاستغلال والزيف. ويفسر منع التساؤل عن الأمور النظرية التي لا تنتج عنها آثار عملية من أجل إرجاع الناس إلى العالم ومنعا للاغتراب عنه، على أنه منع للتساؤل على الإطلاق. مجتمعات السر هي مجتمعات الكبت والتحريم كما هو الحال في مجتمعاتنا المعاصرة القائمة على ثالوث محرم؛ الدين والسلطة والجنس، الكل لا يعلمه، ولا يجوز الاقتراب منه أو الحديث عنه إلا من قبل السلطة وريثة الإمام، وكل ادعاء لعلم سري هو وسيلة إنسانية لتغطية الجهل أو للتعمية، فلا تقوم ثورة على علم سري؛ لذلك كان التعليم وتثقيف الناس وتساؤلاتها حول المحرمات ومعارضتها للأسرار وكل طرق الاستنارة مضادة لنظم القهر، ووسيلة للقضاء عليها.
30
كما تؤدي صفة العلم والتعليم إلى التقليد؛ لأن الإنسان لا يستطيع بنفسه أن يعلم أو يفهم، بل لا بد من تقليد الإمام وانتظاره وسماع شرحه، في حين أن التقليد مدان شرعا وليس أصلا من أصول الدين، وأن النظر أولى الواجبات على المكلف؛