تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

1

بل إن وضعها كفرع لا كأصل كان مجرد اقتراح فردي ومبادرة غير مقصودة، ثم تحولت إلى تقليد جماعي وفعل مقصود، تقليدا لا إبداعا؛ فالدافع على ذكرها هو مجرد التقليد، بعد أن ذكرها أحد السابقين فتبعه اللاحقون، مع أن إيمان المقلد لا يجوز طبقا لنظرية العلم في المقدمات الأولى، وكأن العادة التي وضعها أحد الأوائل أصبحت سنة يتبعها الخلف دون تعقيل أو تأصيل، ودون سند من عقل أو من نص.

2

وقد يكون من أسباب استبعاده هو أنه موضوع يثير التعصب والغضب، وتحنق منه النفوس؛ فالبعد عنه أسلم، والخوض فيه أصعب، خاصة لو أدى إلى خطأ وجهل. والحقيقة أن السياسة علم محكم يقوم على تحليل الوقائع دونما تعصب؛ فالسياسة في موضوع الإمامة تعني الأحزاب السياسية والصراع السياسي. وإن بنية الموضوع إنما تكشف عن هذا الصراع بالرغم من إعلان الأصول عن حياده وموضوعيته. وهو من الموضوعات النقلية رابع موضوع في السمعيات بعد النبوة والمعاد والأسماء والأحكام، وكأن الإنسان لا يستطيع أن يصل بعقله إلى يقين في موضوع السياسة ويترك الأمر إلى النقل وحده؛ فموضوع السلطة السياسية الحجة فيه السلطة الدينية، الموضوع هو السلطة، والمنهج هو السلطة؛ فالإمامة من المنقولات وليست من المعقولات، كما أنها من الفروع وليست من الأصول،

3

كما أنها من المختصرات وليست من المطولات؛ وبالتالي يكتفي فيها بأقل القليل، وكأن الأقلام تسيل في الموضوعات النظرية الخالصة ثم تخف في المسائل العلمية، وكأن موضوع الحكم والثورة لا يساوي مواضيع المعاد وعذاب القبر والصراط والميزان، وكأن صلاح الدين بالمعاد أفضل من صلاح الدنيا بالإمامة.

4

والإمامة من المسائل المختلف عليها مثل باقي الأصول، تكفر الفرق فيها بعضها البعض. أما عند الفرقة الناجية فهي موضوع اتفاق! اتفاق السلطة في مواجهة المعارضة، وحدة السلطة في مقابل تشرذم المعارضة. هي أولى المسائل التي يقع عليها الخلاف بعد موت النبي ودفنه وصفة القرشية. قد يكون الدافع على إدخالها ضمن الأصول الرد على المبتدعة، وظهور اعتقادات فاسدة تتطلب الرد والتفنيد؛ فدخلت في علم الكلام لما كان هو العلم الذي يدافع عن العقائد ضد البدع.

5

وقد يكون الدافع هو الدفاع عن الصحابة؛ أي الدفاع عن حزب سياسي بعينه، والهجوم على الأحزاب السياسية الأخرى. تكشف الإمامة إذن الهدف السياسي للعلم كله؛ لذلك توضع المسألة في نهاية العلم كملحق تاريخي يفصل فيما وقع من خلاف، ويحكم بين المتخاصمين، أو كنظرية في اختيار الإمام، ثم أحكام تاريخية على الخلافة الأولى دفاعا عن الفرقة الناجية.

6

وقد يكون الدافع الرغبة في الدفاع عن السلاطين وأنظمة الحكم القائمة، والكشف عن إمام العصر، والدعوة إليه من على المنابر، وطلب الطاعة له؛ لذلك تكون المسألة نظرية في اختيار الإمام، إمام العصر، مع أنه ليس من شأن دراسة المشكلة السياسية الدعوة لأمير وإثبات شرعية سلطة.

7 (1) هل الإمامة فرع أم أصل؟

يعني هذا السؤال أن الإمامة قد تكون فرعا من فروع الدين وليست أصلا من أصوله، جزءا من علم الفروع وليست أصلا من علم الأصول؛ وبالتالي تكون العقيدة قائمة بذاتها دون تحقق في نظام سياسي، ويكون الدين دون سياسة ، والتصور بلا نظام، والعقيدة بلا شريعة، والإيمان بلا عمل، والنقل بلا عقل. وقد تكون الإمامة أصلا من أصول الدين وليست فرعا من فروعه؛ وبالتالي تتحقق العقيدة في نظام سياسي، ويتحول الدين إلى سياسة، والتصور إلى نظام، والعقيدة إلى شريعة، والإيمان إلى عمل، والنقل إلى عقل. والاختيار الأول هو اختيار السلطة القائمة التي تشعر باللاشرعية، والتي تود إبعاد الناس عن السياسة فيصبح الجمهور غير مسيس؛ وبالتالي تصعب الثورة، في حين أن الاختيار الثاني هو اختيار المعارضة التي تشعر بالشرعية في مواجهة نظام لا شرعي، والتي تود إشراك الناس في العمل السياسي، وتجنيد الجماهير للقضاء على نظام القهر والغلبة. الاختيار الأول يؤدي إلى استكانة الجماهير وإبعادها على العمل السياسي، فلا تنفع صرخات المصلحين، والاختيار الثاني يؤدي إلى تخريب الجماهير، ونزولها إلى ساحة العمل السياسي ملايين هادرة لإسقاط نظم العمالة والقهر، ولا تنفع جيوش السلطان ولا أجهزة العملاء.

من العقيدة إلى الثورة (٥): الإيمان والعمل - الإمامة · الصفحة ٤١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من العقيدة إلى الثورة (٥): الإيمان والعمل - الإمامةص ٤١