1
ثم تظهر الاختيارات الثلاثة: الإيمان والكفر والفسوق. فالإمام مؤمن، وقد كان مصيبا في أفعاله، ثم قتل مظلوما، واعتبر قتله فسقا. وأما القعود عن نصرته والدفاع عنه إن كان بأمر الإمام حقنا للدماء ودرءا للفتنة فلا حرج، وإن كان نهى الإمام عن نصرته فهم معذورون، وإن كان إعانة للمهاجمين فهو فسق مثل الهجوم عليه وقتله. إن الدليل على براءة الإمام ليس تبشيره بالجنة، فالجنة نتيجة لقانون الاستحقاق، والجزاء على الأعمال، وليس نتيجة الدعوات له، دعوة أو أكثر، أو لأنه زوج ابنة النبي، بل تطبيقا للحكم على أفعاله. فالولاية والعداوة لقاتليه ولكل من أكفره. وهو بهذا المعنى إمام مثل الإمامين السابقين عليه.
2
ويصعب أن يكون كافرا إلا عند اعتبار الكبيرة كفرا، بل إن كفره يمتد إلى بيعته منذ قبولها، وليس فقط إلى أفعاله بعد الولاية.
3
وقد يكون الاختيار الثالث محاولة لإثبات الإيمان النظري والخروج العملي، أو عن طريق تطوره في الزمان، وتغيره في إيمان السنوات الأولى إلى كفر السنوات الأخيرة.
4
ونظرا لأن الأحكام الثلاثة غير كافية نظريا فقد تتم تبرئة كل من الفريقين؛ إذ يصعب معرفة أيهما ظالم وأيهما مظلوم. وقد تتم إدانة كل من الفريقين، فأحدهما فاسق دون تعيينه.
5
وفي مقابل إدانة الفريقين والحكم عليهما بالفسق، من جهة الإمام لأن أعماله توجب الفسق، ومن جهة قاتليه لأن الفسق لا يوجب القتل، يتم التوقف عن الحكم كلية لا بالإيمان ولا بالكفر ولا بالفسوق لكلا الفريقين أو لأحدهما دون الآخر.
6
وتخلصا من المأزق قد يتم إنكار الواقعة ذاتها التي تقلق الوجدان وتحير النظر ويصعب معها الحكم؛ وبالتالي يتم إنكار حصار الإمام وقتله بالغلبة والقهر، إنما قتل الإمام شرذمة قليلة على غرة من غير حصار؛ وبالتالي التخفيف من الواقعة، وتحويلها من واقعة سياسية تتشابك فيها الشرعية إلى واقعة قتل عادية يطبق فيها حد القصاص.
7
والحقيقة أن الغرض ليس إصدارا للأحكام على التاريخ، بل تحليل التاريخ بقصد التعرف على طبيعة الموقف السياسي، ورؤية العوامل التي ساهمت في صنع القرار؛ فالنظرية السياسية العلمية هي التي يمكن عن طريقها فهم المواقف السياسية في التاريخ. ليست القضية الواقعة التاريخية، بل أسسها النظرية؛ فليست القضية إنكار حصار الإمام وقتله بالغلبة والقهر أو إثباته، بل الدافع والأساس النظري؛ فسبيل التحقق من الوقائع التاريخية هو الخبر المتواتر، وليس علم العقائد. (1-2) حروب علي (الجمل وصفين)
وبعد قتل الإمام بدأ الخلاف حول الإمامة لحد الاقتتال بالسيف بين أنصار الإمام الجديد وأتباع الإمام المقتول، وبدل أن تخف الواقعة الأولى زادت تعقيدا بالواقعة الثانية.
8
وتظهر الأحكام الثلاثة على الواقعة الجديدة، وهي الإيمان والكفر والفسوق؛ فالإمام الجديد مصيب في حروبه، في وقعتي الجمل وصفين، ومحاربوه مخطئون. ويتراوح خطأ قاتليه بين الفكر والفسوق والبغي والخطأ، وذلك يستوجب التوبة والرجوع إلى الحق والتسليم له. وتظل الإمامة للإمام الجديد دون منازعيه على الإمامة ومقاتليه عليها.
وقد يتلمس لمقاتلي الإمام الجديد العذر بأنه أخطأ في التحليل وإن كان على نية طيبة؛ فالقصد هو الصلاح، وليس الأمر إيمانا أو كفرا أو فسوقا بقدر ما هو خطأ في الاجتهاد. وهو أمر فرعي وليس أمرا أصوليا، موضوع فقهي وليس موضوعا عقائديا.
9
لكن قد يتم تكفير كل من قاتل الإمام الشرعي الجديد، وتكفير كل من خالفه، سواء كان الكفر خالصا أو شركا، مغفورا أو غير مغفور.
10
وبعد تكفير المخالفين يتم الرجوع إلى الوراء تدريجيا حتى يتم تكفير كل الأئمة السابقين، بل قد يبلغ الأمر تكفير الإمام نفسه إن لم يحارب مخالفيه، ويكون مرتدا عن الدين!
11
وقد يكون الإمام الجديد قد أخطأ نسبيا أو كليا؛ فهو وإن كان قد أصاب في قتال مخالفيه إلا أنه أخطأ أنصاره الخارجين عليه، وكان يمكنه أن يكون أكثر رفقا بهم، ولكن بوجه عام كانت الحرب مفروضة عليه.