تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

2

وتعني مسألة الأسماء والأحكام أن مسألة النظر والعمل من حيث التطابق أو عدمه مجرد أسماء لغوية تشير إلى أحكام شرعية، وليس لها أي مدلول نظري أو واقعي؛ فمحل بحثها هو قواميس اللغة وكتب الفقه؛ وبالتالي إخراج موضوع النظر والعمل من نطاق تحليل العقل والواقع. وإذا كان الأمر سهلا في حالة التطابق، فإن الأمر يكون صعبا في حالة الاختلاف؛ فالإتيان بالكبيرة إنما يشكك في مدى فاعلية النظر، ويسبب أضرارا بالغة في الواقع الاجتماعي. وإذا استطاع الإنسان التوقف في تحديد بعض المسائل النظرية مثل الإيمان والكفر والشرك، أو تحديد بعض الأحكام الفقهية حول الفسق والنفاق والعصيان، فإنه لا يستطيع أن يتوقف أمام الإتيان بالكبائر؛ لأنها أفعال عامة يقوم بها الفرد في المجتمع، وتدخل تحت طائلة القانون.

وقد يشار إلى مسألة النظر والعمل كجزء من المقدمات العامة في علم أصول الدين، فيما يجب على المكلف الإيمان به، مثل نظرية العلم ونظرية التكليف، وكأنها مدخل وليست موضوعا نظريا مستقلا،

3

وكأنها مقدمات نظرية خالصة، مقدمات في مفاهيم العلم. وقد ظهر أيضا في الشروح المتأخرة عندما انهار بناء العلم وتحول إلى منظومة عقائدية نثرا أو شعرا، وبالتالي ضاع موضوع النظر والعمل من المستوى البرهاني إلى المقدمة الخطابية العامة، وكأنه مبحث فقهي أو صوفي. وقد تبدو مسألة النظر والعمل في نهاية العقائد المتأخرة كمقدمة للأخلاقيات التي ينتهي بها التوحيد كنوع من الخطابة العامة في الدين بعد انهيار البناء العقلي للعلم.

4

وقبل أن توضع كخواتم خطابية للعلم تظهر أحيانا كملحق لموضوعاته الأخيرة كالمعاد والنبوة؛ فتدخل في مسألة الوعد والوعيد باعتبارها تتحدث عن الإيمان والكفر والفسوق والمعصية من خلال قانون الاستحقاق.

5

كما قد تظهر في باب النبوات في آخر مرحلة من مراحل النبوة؛

6

لذلك ارتبطت بموضوعات الوعد والوعيد، ولكن على مستوى الدنيا وليس تطبيقا للاستحقاق في الآخرة. وقد يضطرب مكانها ويتردد بين الموضوعات السمعية بعد المعاد والوعد والوعيد وقبل النبوة والإمامة؛ مما يدل على بداية اهتزازها في بناء العلم.

7

وقد تغيب مسألة النظر والعمل من بعض المؤلفات الكلامية ورسائل التوحيد نظرا لعدم ظهور الجانب الإلهي فيها. ولا تظهر إلا بمقدار ظهورها كجزء من التوحيد في الإرادة المطلقة؛ ومن ثم تلحق بمسألة الجبر في الأفعال على أساس أنها تتناول الإيمان والكفر والفسوق؛ أي موضوع الأفعال.

8

وقد تغيب مسألة النظر والعمل بتاتا من العقائد المتأخرة بعدما طغت الإلهيات على باقي الموضوعات، وبعدما أصبحت كل المسائل ما عدا التوحيد جزءا من التوحيد. ولا تظهر إلا كقضية في نهاية العقائد بعد الوعد والوعيد والمعاد والنبوة والإمامة في تحديد معنى الكفر ومن هم الكافرون لتحديد علاقاتهم الاجتماعية بسائر المؤمنين في الأمة. وهو الجانب التاريخي الذي فيه تحول موضوع الفرق إلى ملحق للإمامة أو ذيل لها فيما يجب تكفيره من الفرق.

9

وتغيب المسألة كلية وكأنها لا تدخل في علم التوحيد خاصة في كتب العقائد المتأخرة والمتوسطة في عصر بناء العلم،

10

كما تختفي من العقائد المتأخرة.

11

والعجيب أن تغيب عن بعض الحركات الإصلاحية الحديثة.

12

وبالرغم من هذا الغياب للموضوع إلا أن له أهمية قصوى، لأنه موضوع عملي يمس الحياة اليومية للجماعة، وعلى أساسه تتحدد العلاقات الاجتماعية،

13

بل إنه هو الموضوع الأول من حيث النشأة، موضوع مرتكب الكبيرة وحكمه بين المؤمن والكافر. دارت حوله أهم الفرق الكلامية بين طرفي نقيض كحل وسط بين الاثنين.

14

ويتصل بموضوع التوحيد، بالذات والصفات؛ فكلاهما يصاغان بالطريقة نفسها لتصور العلاقة بين الطرفين، الذات والصفات، أو الإيمان والعمل، علاقة زيادة أو مساواة، والاختلاف في تصور هذه العلاقة بين أهل العدل وأهل الرحمة.

من العقيدة إلى الثورة (٥): الإيمان والعمل - الإمامة · الصفحة ٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من العقيدة إلى الثورة (٥): الإيمان والعمل - الإمامةص ٢