تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

10

وعلى الضد من ذلك تستعمل ألقاب المدح والثناء لوصف الفرقة الناجية، مثل أهل الحق والإثبات، وكلها في مقابل أهل الأهواء، أهل الزيغ، أهل الضلال، أهل البدع. وينجح سلاح الألقاب في مجتمع يفضل الحق على الباطل، والاستقامة على الاعوجاج، والسنة على الاجتهاد، والتقليد على البدعة، والإثبات على النفي، والجماعة على التفرد؛ فأهل السنة يسيرون على الطريق الرئيسي دون تشعيب أو تفريق، وأهل الحديث يأخذون بالحديث دون تنكر له في مجتمع تحولت فيه سلطة القرآن إلى سلطة الحديث، وتشخصت فيها النبوة في شخص النبي، وتحول الحديث فيه إلى السيرة. وأهل السلف أفضل من الخلف الذين تركوا الصلوات واتبعوا الشهوات. وهم الأصحاب، جمهور الأمة، الجماعة، وليسوا الأعداء أو إحدى فرق الأمة أو أحد شعابها. إذا ما سميت أشعرية فلأن مؤسسها نصير أهل السنة والمدافع عن الحق ضد أهل الأهواء. الفرقة الناجية هي التي بها خلاص الأمة، فرقة الدولة، وحزب السلطة. ولكن يظل السؤال: ناجية عند من؛ عند الله أو عند السلطان؟

11

وقد يحدث نزاع حول الفرقة التي ينطبق عليها الاسم المذموم «القدرية»، هل هم نفاة القدر أم مثبتوه؛ من ينفي القدرة عن الله ويثبتها للإنسان، أم من يثبتها لله وينفيها عن الإنسان، وذلك في حالة صحة الخبر؟ وبالتالي يستعمل سلاح الألقاب في كل الأوجه وعند جميع الفرق كسلاح وكسلاح مضاد، مع أن فرق المعارضة لها أسماؤها من نفسها، مثل «أصحاب العدل والتوحيد»، ولكن الذي اشتهر هي أسماؤها من الخصوم الذين كتبوا التاريخ ودونوا عقائد الفرق.

12

ويتضح سلاح الألقاب أيضا في صياغات العبارات، أي في ألفاظ الحديث؛ فإذا كان الأمر يتعلق بذكر رأي لفرقة ضالة، فإن اللفظ يكون «زعم» أو «ادعى» أو «افترى» أو «كذب». أما إذا كان الرأي للفرقة الناجية، فإن اللفظ يكون «قال» أو «أجمع» أو «اتفق». ويقوم المؤرخ أحيانا باستجلاب اللعنات على صاحب الفرقة الهالكة، أو توعده بالسلطان، أو استعداء الجمهور عليه. ويتجاوز نقد أفكاره إلى الطعن في شخصه وأخلاقه وسيرته، كأن الغرض من مصنفات الفرق هو الدفاع عن مذهب الفرقة الناجية، والتعريض بآراء الخصوم تحت ستار التاريخ.

والحقيقة أن التكفير سلاح سياسي ضد الخصوم تحت ستار العقائد، سلاح متبادل بين السلطة والمعارضة، بل وسلاح متبادل بين فرق المعارضة بعضها ضد البعض الآخر؛ مما يسبب في تبعثرها وتشتتها وتفرقها، فتضعف أمام السلطة الواحدة. وكما يصل تكفير الفرقة الناجية إلى حد تكفير كل فرق المعارضة، فإن إحدى فرق المعارضة في المقابل تكفر كل من لابس السلطان، أو اتصل به، أو زايد في الإيمان.

13

وماذا يبقى من فرق الأمة لو كفر الجميع؛ لو كفرت الفرقة الناجية الفرق الهالكة ضد الخصوم تحت ستار المعتقدات والمزايدة في الإيمان تملقا للعامة ودفاعا عن السلطان؟ بل إن العقائد ذاتها هي أيضا سلاح نظري عند كل فرقة تدافع به عن مواقفها الاجتماعية والسياسية. لا يوجد إذن تكفير نظري أو عملي، بل يوجد تباين في المواقف السياسية، وبالتالي اختلاف في الأطر النظرية. فإذا ما تم إرجاع «الإلهيات» إلى «الإنسانيات»، وبالتالي العودة إلى التجارب الإنسانية الأولى التي منها نشأت الإلهيات، ينتهي سبب التكفير؛ فقد كان في أحسن الأحوال وبفعل الفقهاء حكما شرعا على صور فنية ونظريات دفاعية أو هجومية لها تأويلها في التجارب الإنسانية، وليس بناء على أحكام عقلية أو شرعية. وإذا ما تم الاتفاق على حد أدنى من المواقف السياسية والاجتماعية، ودون الوقوع في المزايدة الإيمانية أو تبعية للسلطات السياسية، فإنه يمكن نزع سلاح التكفير، والسماح باختلاف الأطر النظرية على أساس أنها اجتهادات نظرية في مواقف اجتماعية مختلفة. وتظل كلها شرعية في إطار الوحدة الوطنية لأمة واحدة.

من العقيدة إلى الثورة (٥): الإيمان والعمل - الإمامة · الصفحة ١٠١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من العقيدة إلى الثورة (٥): الإيمان والعمل - الإمامةص ١٠١