61
والمعنى الثالث للرزق هو المنتفع به؛ فالرزق ما ينفع الإنسان ولا يرزق الإنسان ما يضره، ولكن ما مدى هذا الانتفاع وحدوده؟ متى يتحول الانتفاع إلى أثرة وأنانية واستغلال؟ وهل ترتزق البهائم لمجرد انتفاعها؟ وما هي شروط الانتفاع؟ هل يجوز الانتفاع بما ليس ملكا؟ هل يجوز الانتفاع بالاغتصاب وهل كل انتفاع رزق؟ هل الأطعمة والأشربة والأقوات رزق أم حق طبيعي؟ ومع ذلك قد تبدو للانتفاع بعض المزايا على تحديد الرزق بالمعنى الأول، أي بالملكية؛ إذ إنه يمنع الاحتكار لأنه ملكية بلا انتفاع، وهو أقرب إلى تحديد المعنى الشرعي للملكية بأنها حق التصرف والاستثمار والانتفاع، وتعريف الرزق بالانتفاع هو تنويع على تعريفه بالملكية؛ فالرزق اثنان، انتفاع وملك، مشاع وخاص.
62
وينقسم الرزق إلى عدة أنواع؛ منه ما هو ظاهر على الأبدان كالأقوات، ومنها ما هو باطن في القلوب كالعلوم والمعارف، والأرزاق المقصودة فقط من النوع الأول لأنها تتعلق بأفعال الشعور الخارجية وبأفعال الوعي الاجتماعي.
63
وقد تكون الغاية من ذلك الإيحاء بأن الرزق هو العلم، رزق القلب وليس هو الأجر والكسب أي الرزق الخارجي، رزق الجوارح، وبطبيعة التكوين الديني تؤثر العامة رزق القلوب على رزق الجوارح، وتفضل العلم على الكسب تعويضا عن جهلها راضية بفقرها، أما قسمة الرزق إلى ما يحدث ابتداء من الله بالإرث وما يحدث كسبا من العبد، فإنه يجعل القسم الأعظم من الرزق خارج التساؤل؛ لأنه هبة للوارث من الله أو من الأب، أما القسم الثاني وهو الأقل فإنه متروك للتوكل، فما لم تقض عليه الأشعرية قضى عليه التصوف؛ فالطلب والجهد والكسب والعمل قبيح؛ لأنه ضد التوكل ولأنه قد يوقع في الخطأ وفي ظلم الناس؛ فالأولى إذن عدم الطلب والكسب.
64
والحقيقة أن الرزق الأول لم يأت عن طريق الجهد والكسب، والإرث احتمال قد يقع وقد لا يقع بدليل الصياغة الشرطية له في أصل الوحي، كما أنه في الأوضاع القائمة وحاجة الأمة إلى الاستثمار يصعب ترك مال دون استثمار، وإذا كانت الأنبياء قدوة، فإنها لا ترث ولا تورث؛
65
لذلك قامت الحركات الإصلاحية الحديثة بنقد التوكل في التصوف دون أن تذهب إلى جذوره في العقيدة في علم أصول الدين، وفي أصل الوحي صحيح أن الرزق فعل الله كحق نظري وكنتيجة للخلق إلا أنه مشروط ب«لو» التي تعبر عن الاستحالة، كما أنه مشروط بالهجرة والجهاد والتقوى والإيمان والعمل الصالح والمغفرة، هدفه الشكر وليس الاغتناء عن طريق الاغتصاب وأكل المال الحرام، وهو أيضا فعل للإنسان في الكسب الحلال دون الحرام، ينفق منه الإنسان دون اكتناز حتى يأخذ المال دورته في الاستثمار مما يحقق النفع العام.
66 (2-3) الأسعار
وهو أقل الموضوعات تناولا من الآجال والأرزاق، مع أنه هو الذي يكشف التلاعب في الأسواق وأسباب زيادة الأسعار، ومشاكل التضخم والبطالة والفقر كلها ترجع إلى غلاء الأسعار، وهو الذي يحرك الجماهير؛ لأنها تمس لقمة العيش والحياة اليومية.
67
لم يتناولها القدماء إلا لأن الله هو الذي يحددها وليس السوق، وكأن الله هو الذي ينزل إلى الأسواق وإلى تجار الجملة ويتحكم في الأسعار من أجل مزيد من الربح، وغالبا ما يكون التحكم في طريق الزيادة أي ارتفاع الأسعار ولا يكون أبدا من أجل خفضها أي رخص الأسعار، وكأن التحكم الإلهي في الأسعار يسير طبقا للتضخم وارتفاع مستوى المعيشة باستمرار، ولصالح التجار ضد مصالح المستهلكين، وما دام الرزق يكون حلالا أو حراما، فإن الأسعار بالتالي تكون أحد مصادر الرزق الحرام، فكل ارتفاع في الأسعار يدخل في جيوب التجار فهو ربح، وكل ربح رزق، وكل رزق ينتفع به بصرف النظر عن الحلال والحرام !
68
ويتم الاعتماد في ذلك على بعض الأحاديث الآحاد أو الضعيفة التي يمكن تأويلها على معنى آخر، وهو عدم إزعاج المسلمين بارتفاع الأسعار وخفضها؛ بعثا للطمأنينة في نفوسهم ولاستقرار الأسواق أو طبقا لقوانين السوق وحاجات المسلمين وكما هو مقرر في علم أصول الفقه في أحكام السوق، والمعنى الحرفي للنص معارض بالاقتصاد الإسلامي وحق الحاكم في التأميم والمصادرة للمال المستغل دفاعا عن المصالح العامة.