تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

168

وهناك فرق بين القدرة والباعث؛ فالقدرة سابقة على الفعل ولكن الباعث أو السبب هو الذي يجعل الفعل يتحقق في هذه اللحظة أو في تلك. كما أن الغاية باقية بعد الفعل، يصب فيها الفعل بعد أن يتحقق.

169

والقول بأن الفعل يحتاج عند الصحة إلى أمر يحتاج بدوره عند الوقوع إلى أمر متجدد؛ وبالتالي يحتاج الفعل إلى قدرة متجددة كما هو الحال في الكسب غير صحيح، لا في حالة المشبه به ولا في حالة المشبه؛ فطلب تكرار الأمر عند كل فعل مستحيل عملا وغير وارد نظرا. يصدر الأمر مرة واحدة. وما لم يأت أمر آخر بإلغائه أو بأمر آخر بديل لظل الأمر الأول سائر المفعول كما هو الحال في الواجبات الشعرية وفي التكليف بوجه عام. وهل يحتاج كل فعل إنساني لكل فرد من أفراد البشر إلى أمر متكرر يصدر لكل فعل ولكل فرد، وكأن العالم هو مجموعة من الأفراد وسلسلة من الأفعال لا رابط بينها، وكأن الاستغراق والكليات لا وجود لها في الحياة الإنسانية. وبالرغم من أن التمثيل واقع في الحياة الإنسانية بدليل اعتماد الحجة عليه إلا أنه يخطئ في الجمع بين أمرين. فالصحة والأمر لا جامع بينهما. وحتى لو صح التمثيل فالمؤله المشخص، وهو الكامل، لا يحتاج إلى إصدار أمر متكرر، فعلمه علم كلي كما يقتضيه كمال العلم بالنسبة للعلم الإنساني الجزئي. ولو احتاج إلى تكرار الأمر لوجب قدم الإرادة ومن ثم قدم العالم. وكيف تتعلق الإرادة بالنواهي في حين أن الإرادة لا تتعلق بنفي؟ هذا يدل على أن الأمر الأول لا يحتاج إلى أمر زائد متجدد.

170

ولا تؤدي بالضرورة التفرقة بين الحركة الاضطرارية والحركة الاختيارية إلى أن القدرة قد تفارق الأولى بينما فارقت الثانية. لا تثبت هذه التفرقة مقارنة القدرة وقت إثباتها وتقدمها. وليس إثبات المقارنة بأولى من إثبات المفارقة؛ فكلاهما واقع، وليس لأحدهما حجة زائدة على الآخر. والقول بأنه يستحيل وقوع الفعل عند عدم القدرة؛ وبالتالي يجب الفعل عند وجودهما، فالاستحالة والوجوب طرفا نقيض لا يمكن الجمع بينهما هو خلط بين الصحة والوجوب. فنقيض الاستحالة هو الصحة لا الوجوب. إذا كان الإنسان قادرا على فعل يصح منه الفعل ولا يوجب بتدخل قدرة خارجية مقارنة للفعل.

171

أما القول بأنه لو استحال الفعل بالقدرة في الحال، فإن هذه الاستحالة لا ترجع إلى القدرة لأنها موجودة، ولا إلى المقدور لأنه مقدور، بل لاستحالة المقارنة؛ مما يثبت عدم الارتباط الضروري بين القدرة والمقدور؛ وبالتالي تنتفي القدرة قبل الفعل، وتحل فيه وقت وقوعه. هذا القول يتحدث عن استحالة افتراضية وليس استحالة واقعة بالفعل. فما دامت القدرة موجودة، وما دام المقدور داخل حدود الطاقة، وامتنعت الموانع فلا استحالة هناك، ولا حاجة إلى قدرة مقارنة تجعل الفعل واقعا. وإن استحالة الفعل فإما لأنه لا قدرة هناك، أو لعدم وجود باعث أو غاية، أو لوجود مانع بدني أو نفسي أو اجتماعي. ولا تعني الاستحالة في الحال الاستحالة في كل حال؛ بدليل الفعل المتولد. هناك أحكام عقلية عديدة في الاستحالة قد لا تطابق استحالة فعلية؛ فاستحالة المؤله المشخص على فعل ما لم تزل استحالة تنال من الإطلاق وإن كانت حكما. ومع ذلك فلا شيء يحدث بلا سبب. وإن استحال الفعل فهناك سبب للاستحالة وإن لم يكن بالضرورة حكما عقليا؛ فالأحكام العقلية هي نفسها علل واقعية.

172

والقول بأنه لو جاز الفعل بالقدرة المتقدمة لجاز بالقدرة المعدومة، بل ويجوز في حالة العجز قول مستحيل وافتراض نظري صوري صرف؛ لأن الفعل لا يجوز بقدرة معدومة، خاصة إذا كان الفعل الأول. أما الفعل المتولد، فإنه يجوز بقدرة معدومة؛ لأن القدرة في هذه الحالة وإن عدمت من ناحية البدن والمباشرة، فإنها تظل باقية من حيث المعنى والأثر، والقدرة هي الأثر.

من العقيدة إلى الثورة (٣): العَدل · الصفحة ٥٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من العقيدة إلى الثورة (٣): العَدلص ٥٠