3
والحقيقة أن هذا التصور الثنائي الذي يعطي الأولوية للروح على البدن ينتهي بأن يجعل البدن أقوى من الروح فهو الضاغط عليه الحابس له. صحيح أن الروح منبع لكل مظاهر الحياة، وبالتالي يتم التركيز في هذا التصور على الحياة ومظاهره إلا أنه يصعب تفسير صلة الروح بالبدن. وبالتالي يتحول التصور الثنائي للروح والبدن إلى تصور مثالي للروح، ونظرة تطهرية للبدن باعتباره آفة. كما يصعب فهم صلة التداخل والمداخلة. هل هي مداخلة مادة في مادة لما كانت الروح جسما، أم تداخل لا مادة في مادة لما كانت الروح روحا؟ ولا يهم مصدر هذا التصور، خارجي أم داخلي بعد أن أصبح الخارجي داخليا بفعل الترجمة والتمثل والاحتواء، ولكن المهم هو بنية التصور ذاته ومدى تعبيره عن التصور الحضاري العام. والمهم أيضا هو النقد الذاتي لهذا التصور واكتشاف إمكانية الخروج من هذه الثنائية إلى طرف ثالث هو الإنسان الذي لا هو روح ولا بدن، بل حياة في الجسد، وسط بين الروح المجرد والجسم المرئي. ومع أن هذا التصور طبيعي إلا أنه لم يخل من استعماله كدليل لتصور إلهي، وكأن حياة الإنسان وحياة الله نموذج واحد للحياة.
وقد يرتكن التصور الثنائي للإنسان على البدن لا على الروح، فتكون الأولوية للبدن المرئي لا للروح اللامرئي. وهنا ينقسم هذا التصور الطبيعي المادي إلى تصورين فرعيين؛ إما أن يكون البدن كثيرا جواهر وأعراضا وأخلاطا أو يكون البدن واحدا مرئيا كالجسم أو القوة أو الشخص. الأول يركز على الكثرة والتعدد، بينما يركز الثاني على الوحدة. فالإنسان كثير، وقد تكون هذه الكثرة في الأبعاض؛ أبعاض الإنسان، ويكون البدن هو الجامع لهذه الأبعاض دون أن يفعل كل بعض على حدة.
4
وقد تكون هذه الأبعاض هي الأعراض مجتمعة على جوهر واحد وهو الجسم أو بدون جوهر. وفي الحالة الأولى يكون قانون الاجتماع هو الأخلاط. وفي الحالة الثانية يكون الجوهر هو الحي الناطق أو يتحدد سلبا بنفس التماس والمباينة عنه.
5
فإذا غلبت الوحدة على التعدد في تصور البدن فإنه يكون هو الجسم أو هو هذا المرئي. وقد تكون الوحدة معنوية فيصبح الإنسان هو القوة أو هو الشخص أو هو هذا البشر.
ويتدرج التصور من المستوى المادي إلى المستوى المعنوي حتى يصبح الإنسان هو الإنسان.
6
والحقيقة أن هذا التصور مادي واحدي في مقابل التصور الروحي الثنائي. وبالرغم من أنه أقرب إلى الحس والبداهة، إلا أنه تصور طبيعي صرف غلبت عليه مفاهيم الطبيعة مثل الجواهر والأعراض والأخلاط والقوى والكل والأبعاض، هروبا من المفاهيم اللاهوتية عن الروح والبدن. ولماذا يستبعد الشعر والأظافر من الأعراض ولا تستبعد باقي الأعراض الخارجية عن البدن كجوهر مثل كل الإفرازات، وكل ما يخرج من البدن؟ وكيف تستبعد الحياة والنطق، وحياة الشعور الخالص؟
وهنا يأتي التصور الثالث كرد فعل على التصور الثنائي بشقيه الروحي والمادي، الإلهي والطبيعي، ويعيد إلى الإنسان وحدته. فالإنسان هو بدن وروح لا فصل بينهما ولا تمايز، ليس مادة تتحدد بالطول والعرض والعمق، وليس روحا طائرة حالة في البدن. الإنسان جزء لا يتجزأ، لا تجوز عليه المماسة أو المباينة أو باقي الأعراض وإلا لتعدد الإنسان وتعددت أفعاله وتكاثرت شخصيته واستحالت المسئولية الفردية.
7
وهو مع ذلك مدبر في العالم وموجود فاعل فيه، وما البدن إلا آلة الفعل الظاهرة منه. ومع ذلك لا يوجد في المكان حقيقة ولا تجوز عليه الحركة والسكون والألوان والطعوم، ولكن يجوز عليه العلم والقدرة والحياة والإرادة والكراهة. فالإنسان معنى أو جوهر غير الجسد. وهو عالم مختار حكيم. حياته حياة الوعي والشعور وإن بدا متحركا ساكنا، له لون ورائحة. لا يمكن رؤيته ولا لمسه بل ولا وصفه إلا ظاهرا. ومع ذلك يظهر في البدن ويتجلى فيه. فالبدن آلته للحركة وللفعل، والإنسان هو المتحكم فيه والمدبر له. حقيقة الإنسان في حياة الشعور، وحياة الشعور تتمثل في الإرادة الواعية، أي إن الإرادة القائمة على العلم، وكلاهما تعبير عن الحياة.