ولما كانت الغائية هي أحد مظاهر العلية بدليل العلة الغائية، فلا يمكن نفي العلية أيضا؛ إذ لا تعني العلة جواز الضرر والنفع في ذات الله، فالحديث كله إنساني خالص على مستوى الإنسان، كما أن إرجاع العلة الغائية إلى حكمة الذات المشخص هروب من المشكلة، ومحاولة لمسك الوحي من الطرفين، إثبات الغائية وإثبات الذات المشخص في آن واحد. ورفض الطرفين أو إثباتهما معا تحصيل حاصل.
33
أما الخوف على قدم العالم أو حدوث الله فتلك مسائل ميتافيزيقية خالصة وليس مكانها العلة والغاية بل دليل الحدوث.
34
وأفعال الله معللة بأغراض وإلا كانت عبثا. ولا تعارض بين الحكمة والمصلحة؛ فالحكمة الضارة سفه. ليس التعليل نقصا أو حطة أو حاجة ليتعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. بل إن مبحث العلة والمعلول من المبادئ العامة في نظرية الوجود في علم أصول الدين، وهو أساس مباحث العلة في علم أصول الفقه.
35
إن رفض التعليل هو هدم للقوانين الإنسانية، وترك للعالم بلا إدراك وللوقائع بلا أساس نظري. ويشار إلى الفلسفة باعتبارها المسئولة عن نفي العلية؛ لأن واجب الوجود لا يفعل لعلة، في حين أن تصور الفلسفة للعالم تصور حتمي ضروري ويقوم على إثبات العلل الأربعة وفي مقدمتها العلة الغائية. نظام العالم نظام عاقل ومعقول ولكن الخلاف مع علم أصول الدين في صدور العالم لا عن إرادة كعلة بل عن طبيعة كفيض.
36 (4) إثبات الغائية والعلية
إذا دل الدليل على كون الله حكيما، فإن الحكمة تنفي العبث وتثبت الغائية. وليست الغائية في شخص الله، في حد ذاته أو صفاته بل في أفعاله، ليس في أصل التوحيد بل في أصل العدل.
37
ليس الغرض والغاية نقصا أو عيبا أو ضررا أو منفعة فحسب. فالغائية جوهر التاريخ والباعث على الحياة. الوحي له غاية وهو كمال الجنس البشري وإعلان استقلال العقل والإرادة. ليس القصد والغاية مظهرا من مظاهر النقص والحاجة أو جلب المنافع ودرء المضار، فإشباع الحاجات ورعاية المصالح من أسس الشرع ومن أسباب الوحي.
38
ولا تعني الغاية الملذات والنعيم والسرور دون مشقة أو تعب أو آلام. فقد يكون في ذلك نفع نتيجة لبذل الجهد. هي ابتلاء وامتحان وتحقيق لقانون الاستحقاق. وكيف تكون النعم ابتداء دون مشقة وآلام فتنتفي الحكمة من التكليف ويقضى على قانون الاستحقاق؟ ليس المهم هو البداية أو النهاية بل المسار والتجربة والتعلم عن طريق الخطأ والصواب. ولا تعني الغاية الشكر، فلا شكر على أداء الواجبات، والشكر الوحيد هو أداء الواجبات.
39
والغاية تستلزم التعليل، والتعليل قائم في الأحكام بل هو قلب علم أصول الفقه. والتعليل هو العلة الغائية لا العلة الفاعلة أو المادية أو الصورية.
40
وليست علة الخلق منفعة الإنسان ومنع الضرر عنه فقط، فتلك هي علة التشريع والباعث على الرسالة. إنما علة الخلق تحقيق الرسالة، وأداء الأمانة، والمشاركة في معرفة الله، وتحقيق غايته المتمثلة في مقاصد الوحي. فيتوحد قصد الوحي مع قصد الإنسان. فإذا كان الوحي قصدا من الله إلى الإنسان كغائية فإن الإنسان بتحقيق هذا القصد يكمل الغائية ويحققها.
41
وسواء كان التعليل مجازا أم حقيقة فهو قائم في الذهن الإنساني. والفكر الديني كله مجاز يقوم على قياس الغائب على الشاهد. الواجبات العقلية إذن أمور ذهنية وليست في الخارج، أبنية عقلية تعبر عن مقدار عواطف التنزيه. ليس هناك صواب أو خطأ نظري بل مقدار شدة عواطف التأليه وتراوحها بين الانفعال وبين اتحادها مع بنية العقل ذاته. الخلاف إذن ليس لفظيا فقط، بل في أبنية العقل وتعبيرها عن درجة التعظيم والإجلال.
42
الغائية والعلية موجودان في أصل الوحي. فالحكمة هي الكتاب والملك والموعظة الحسنة وفعل الخطاب. حكمة في النظر والعلم، في الوحي والدولة والنصيحة والقول. وصفة الحكيم ليست للذات وحدها مقرونة بالعزيز والعليم والخبير والعلي والحميد، بل صفة للوحي وللكتاب والقرآن والأمر، أي صفة للشرع كغائية في الإنسان والطبيعة والتاريخ.