تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

29

وهو لا يمنع من حرية الإنسان لأنه لا يوجد علم قبلي بها، بل العلم علم بعدي محض. أفعال الإنسان سابقة على العلم المطلق بها.

30

والعلم المطلق بالوقائع لا يمنع من حدوث الوقائع على نحو مخالف لهذا العلم المسبق. فالحرية الإنسانية قادرة على اختراق حاجز العلم. والعلم المسبق على نحو كلي وشامل لا يمنع من تجدد الفعل وتغيره على نحو جزئي، فالعلم إحاطة والفعل تحقق.

31

ولا ضير أن يكون علم الله مشروطا بأفعال العباد وليس للعلم الإلهي، ولا ضير أن يكون العلم الإلهي متغيرا لصالح العباد كما هو الحال في النسخ. وقد يكون الفصل بين العلم والإرادة أحد وسائل إنفاذ حرية الأفعال. فالله لم يزل مريدا لما علم أنه يكون، أي أن علمه أوسع من إرادته، وأنه على حق مطلق ولكن إرادته حق نسبي، والنظر في النهاية سابق على العمل وأعلى منه ومحيط به.

32

علم الله المسبق إذن لا ينال من حرية الأفعال، بل هو أشبه برصد النتائج مسبقا لاختيار البشر. صحيح أن العلم يوجب وجود المعلوم ولكنه لا يوجب التعلق واتجاه المعلوم نحو فعل معين. صحيح أن العلم أشمل من الأفعال ومع ذلك فليس المطلوب هو الدفاع عن شمول العلم بل عن اختيار الأفعال وإلا تم الخلط بين مستوى الحق النظري ومستوى الواقع العملي. علم الله حق نظري، وحرية أفعال الإنسان حق عملي.

33

وكما ينفى العلم تنفى القدرة على الظلم وعلى فعل الضدين وعلى خرق القانون أو على التدخل في حرية الأفعال، وذلك لأن كل هذه الصفات مشتقة من صفات الإنسان ولا وجود لها بالفعل، بل مجرد إسقاطات من الإنسان على الوعي بذاته المشخص خارجا عنه.

34

ولا يمكن تصور تعارض في صفات الذات وإلا كان نقصا في التنزيه. فالسؤال التقليدي: هل يأمر الله من يعلم أنه يحول بينه وبين الفعل؟ وضع لصفتي العلم والقدرة موضع التعارض والتضارب. والسؤال لا يعبر عن مشكلة واقعية بقدر ما هو تمرين عقلي يسمح للذهن بإظهار عواطف التأليه بالتضحية بحرية الإنسان.

35

وكما ينفى العلم والقدرة تنفى الإرادة. كما تنفى أسماء الإرادة أو صفات الانفعال مثل الرضا والسخط لإفساح المجال لحرية الأفعال.

36

فنفي الصفات إثبات للحرية الإنسانية وكسر لأغلفتها الخارجية. والحقيقة أن نفي الإرادة إنما يعني في الواقع إعادة تفسيرها بحيث تفسح المعاني الجديدة المجال لحرية الأفعال. فيعاد تفسير الإرادة إنقاذا للحرية الإنسانية على أنها علم أو أوامر أو حكم أو تسمية أو مراد أو تخلية أو ميل أو اختيار أو كراهة أو حركة أو معنى. ويعاد تأويل قصة إبليس حتى تنتهي في النهاية إلى كون الإرادة مجازا في الله، حقيقة في الإنسان، ويسترد الإنسان حريته. فالإرادة هي العلم، والعلم حق نظري وليس تحقيقا عمليا كما هو الحال في صفة العلم. العلم حق نظري وحرية الأفعال واقع عملي، والعلم النظري به حرية الأفعال، وهو لا يجبر على شيء؛ لأن الحرية مسطورة فيه. ولن يكره الله حرية الإنسان وفعله الاختياري، بل إنه يجعل ذلك مطويا تحت حقه النظري. بل إن من عظمة الملوك تحقيق إرادة الشعوب، فإرادة الملوك من إرادة الشعوب، وإرادة الشعوب تقوية لإرادة الملوك، وليست مناهضة لها، خاصة إذا كانت الملوك عادلة والشعوب واعية. وإن سخط الله وغضبه ليس إجبارا للعباد، ولكن تعاطفا معهم، وحبا لهم، وشفقة بهم، معهم وليس ضدا لهم. صحيح أن الله فعال لما يريد، ولكن ذلك حق نظري وليس واقعا علميا. وأكرم إلى الله أن يكون ملكا في عالم حر ولشعب حر على أن يكون ملكا قاهرا على شعب مقهور بلا إرادة، وأن من عظمة الملوك حريات الشعوب واستقلال إرادتها، وهي ليست صفات متضادة بل هي متحدة. ليست الإرادة ضد العلم أو العلم ضد الإرادة، بل هي صفات واحدة. ما يحدث في العالم يحدث بعلم وإرادة لا بمعنى أنه يحدث ما يجهله أو ما لا يريده. علم الله تجريبي وليس إجبارا لأفعال الإنسان، وإرادته تقوية لإرادة الإنسان وليست ضدها.

من العقيدة إلى الثورة (٣): العَدل · الصفحة ١٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من العقيدة إلى الثورة (٣): العَدلص ١٤