تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

5 (1) الخلق والتكليف

وأول الواجبات العقلية هما الخلق والتكليف. وهما إن بدوا لفظين إلا أنهما يدلان على واجب عقلي واحد هو التكليف. ولا تكليف بلا خلق؛ فالتكليف يتضمن الخلق بالضرورة. ولا يجوز أيضا خلق بلا تكليف؛ لأن التكليف غاية الخلق، والخلق بلا تكليف خلق بلا غاية، وبالتالي يكون عبثا. يستحيل إذن الخلق ابتداء لمجرد الخلق، بلا غاية أو هدف وبلا تكليف.

6

الخلق بلا تكليف إنكار للغائية. وما الغاية من خلق غير مكلف وما الهدف منه؟ وكيف ينكر التعليل بالغائية، والتعليل أساس الشرع، والعلة الغائية عند القدماء هي العلة الفاعلة الحقة؟ لا تعود الفائدة على الله، وليس جلب المنافع لله ودرء المضار عنه. الفائدة للإنسان وجلب المنافع له ودرء المضار عنه.

7

فلا خلق بلا حرية وعقل وهما مدار التكليف. وإذا ما تمنى الإنسان أن يخلق في الجنة متنعما من غير ضرر وغم وألم، وإذا ما تمنى العقلاء أن يكونوا في هذا العالم عدما وأن يكونوا نسيا منسيا أو أن لم يكونوا شيئا، فإن ذلك إنكار للوجود وتمن للعدم ومحو للحياة وللإنسان، بل ولله؛ لأنه حينئذ لن يعرفه أحد. ويكون إلغاء للوجود وتدميرا للذات ونهاية لكل شيء ونتيجة للإحساس بالغثيان وبالعبث وباللاغائية واللاهدف. وقد يأتي ذلك نتيجة للأعمال السيئة التي يقترفها الإنسان، ونتيجة لعدم القيام بالواجب ولعدم إعمال الحرية والعقل. والكافر وحده هو الذي يقول: «يا ليتني كنت ترابا»، ولكن المؤمن يجد ما وعده ربه حقا. ويتمنى الشهيد أن يقتل ويحيا ويقتل ويحيا حتى لا يحرم من لذة الشهادة. وقد يكون هذا التمني صورة مجازية للإحساس بالمسئولية والتبعة والخوف من عدم تأديتها ومحاسبة النفس محاسبة دقيقة، وذلك مثل: «ليتني ما ولدتني أمي». وكيف يأتي هذا الإحساس للأنبياء والمرسلين والأولياء الصالحين وهم أرباب الرسالات وأصحاب الدعوات؟

8

لا يعني وجوب الخلق إيجاب شيء على إرادة مطلقة، بل الإيجاب في الحياة الإنسانية حفاظا على عنصر الثبات فيه.

وقد يؤدي رفض الواجبات العقلية، أي الوجوب الإنساني، إلى صياغة الأمر المطلق والحاكم المطلق والسلطان المطلق الذي لا يراجعه أحد. العدل في طاعته والجور في عصيانه. هو الذي يحدد مقياس العدل والظلم لا مراجعة عليه ولا قانون يخضع له.

9

ولا يجوز الخلق ثم تخلية العباد بلا تكليف.

10

ولا يعني قول الكل بخلق الله وإرادته التكليف؛ فالتكليف جوهر الخلق، والخلق مرتكز على التكليف. الخلق مجرد إشارة إلى معنى، ودليل إلى مدلول. وما دام كل معلوم موجودا فالتكليف هو السبيل لتحقيق العمل وتحويله إلى موجود. وفي التكليف لا يستوي الفعلان؛ لأن حرية استواء الطرفين غير موجودة؛ نظرا لوجود البواعث. وترجيح فعل على آخر لا يمنع التكليف بل يؤكد حرية الاختيار وقدرة العقل على التمييز؛ لذلك يوجد تفاوت في الأفعال بين المثال والواقع أو بين العزيمة والرخصة كما يقول الأصوليون. ولذلك أيضا كان موضوع الإيمان والعمل من موضوعات علم أصول الدين، وقد يكون التكليف أحد أسباب الترجيح عن طريق الفكرة الموجهة للفعل. لا يقع التكليف مع الفعل أو قبله، فتلك هي الاستطاعة. التكليف مقرون بالخلق. بمجرد الخلق يحدث التكليف؛ فالخلق تكليف. ليست القضية حجة عقلية ووقوعا في تناقض منطقي، بل القضية تأسيس مشروع إنساني وجودي فعلي يشكل العقل فيه أحد الوسائل لتحقيق المشروع ولا يشكل نقيضا له. الغرض من التكليف إظهار الحرية والعقل، فالخلق مشروع خلق، والوجود مشروع إيجاد. والتكليف هو هذا النداء للخلق من أجل ممارسة الحرية وإعمال العقل.

11

ومن ثم كانت بعثة الرسل واجبة من أجل التكليف لعامة الناس.

12

وإن أكثر حجج نفي التكليف مستمدة من الجبرية، مما يدل على أن التكليف مرتبط بحرية أفعال الإنسان. وإن كان الجبر نفيا للتكليف فذلك لأن الله هو الذي يقوم بكل شيء، وبالخلق وبالتكليف وكأن الإنسان لا هدف له ولا غاية، مجرد موجود كوني كالأرض والنبات والحيوان والأفلاك، مجرد زينة، وجود كغيره من الموجودات، لا ميزة له ولا فضيلة. وإذا ما أثبتت الجبرية جواز التكليف فإنها تمنع من بيان صفته. وهذا إنكار للعقل وقدرته على فهم الوحي. فالجبر إلغاء لحرية الأفعال ولقدرة العقل في آن واحد. والمثل المشهور في تكليف أبي جهل وأبي لهب بالإيمان وهو معلوم أنه سيكفر؛ وبالتالي يبطل التكليف بنفي حرية الأفعال أساسا ويجعل أفعال الإنسان كلها اضطرارية.

من العقيدة إلى الثورة (٣): العَدل · الصفحة ١٣٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من العقيدة إلى الثورة (٣): العَدلص ١٣٢