تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

31

وقد تأتي حلول وسط أخرى عن طريق إيجاد وظيفة أخرى للشرع غير وظيفة العقل، فلا تتنازع الاختصاصات، ويبقى تقسيم العمل بينهما. وعلى هذا النحو قد تكون مهمة الشرع الإخبار لا الإثبات، والإعلام لا التقنين.

32

وقد يقتصر دور الله على فعل الأسماء لا الأشياء. فالله له اللفظ، والإنسان له الشيء، والمعنى مناصفة بينهما. ولكن تظل الأشياء لب الألفاظ وجوهرها.

33 (2) إثبات العقل

ولا يحتاج العقل إلى إثبات؛ فهو بديهية لا ينكرها أحد حتى ألد أعداء العقل. معرفة الحسن والقبح إذن معرفة بديهية عقلية وليست مجرد ظن أو اعتقاد، مثل المعارف الرياضية، فالاثنان أكثر من الواحد قضية صحيحة مثل أن الظلم قبيح. وسواء كانت معرفة الحسن والقبح بديهية أو نظرية، ضرورية أو استدلالية، فطرية أو مكتسبة، فكلاهما معرفة عقلية بديهية أو تستند إلى بديهية يجتمع عليهما كل العقلاء اضطرارا. وكلاهما معنى، ولا فرق بين غياب المعنى ووجود اللامعنى أو وجود معنى غير معقول؛ إذ إن إثبات معنى بلا موقف وقوع في التجريد ونسيان للإنسان.

34

والحجج لإثبات الحسن والقبح العقليين كثيرة من طبيعة العقل والمعقول وباتفاق العقلاء على حقائق عامة واحدة لا تختلف من فرد إلى فرد أو من زمان إلى زمان أو من مكان إلى مكان. الحسن معياري لا يتغير من فرد عاقل إلى فرد آخر عاقل. واعتقاد المجبرة حسن القبح لا ينفي قبحه لأنه خطأ في المعرفة. واختلاف القبيح بالنسبة إلى العادات لا يعني عدم وجود القبح المعياري؛ فالمعيار أساس الحكم.

35

والحسن الخلقي غير الحسن الجمالي في الفن أو في الطبيعة؛ الحسن الخلقي معياري موضوعي والحسن الجمالي ذوقي نسبي ذاتي. وفرق بين القبح الخلقي والقبح الجمالي. القبح الخلقي موضوعي، قبح معياري يعلم باضطرار عقلاني، في حين أن القبح الجمالي ذاتي يختلف باختلاف حال الفرد وباختلاف أذواق الأفراد سواء كان ذلك في مجال الفن أم في مجال الطبيعة. ولا قبح في الطبيعة إلا من حيث وجود الإنسان فيها؛ فالأكوان والاعتمادات والتآليف ليس فيها قبح، وإنما تقبح لكونها عبثا أو ظلما أو مفسدة.

36

إن اختلاف الناس على بداهات العقول لا يقدح في هذه البداهات نفسها، بل يعني عدم إحكام في استخدام العقول أو أن البداهة المتنازع عليها ليست من أوليات العقول، بل ما زالت أهواء أو مصالح أو آراء أو انفعالات أو منازع.

37

إن هدم العقل بحجج جدلية لا يقضي على بداهته؛ فالحجة الجدلية القائمة على القسمة العقلية لا تثبت شيئا لعيوب في المنهج الجدلي ذاته، مثل احتمال كون القسمة غير جامعة ولا مانعة أو عدم التوازي بين القسمة العقلية وجوانب الشيء أو استعمال الخصم للمنهج نفسه، كما أن نفي المعارض العقلي لا يعني إثبات الشيء.

38

وبالإضافة إلى الحجج الجدلية السابقة دفاعا عن العقل وردا على الاتهامات له، هناك حجتان إيجابيتان رئيسيتان؛ الأولى وجود حقائق عامة يجتمع عليها كل العقلاء وأمور يتفق عليها كل الناس، ليس فقط بحكم العادة وميل الطباع إلى اللذات ونفورها من الآلام، بل كحقائق بديهية عامة تكشف عن وجود موضوعي للقيم ولأحكام السلوك العامة. لا خلاف بين العقلاء وإن جاز فإنه إنما يرجع إلى قلة العدد أو إلى قبيل الهوى، ولكن الحقائق متفق عليها على عكس السوفسطائيين ومنكري الحقائق. يختار الإنسان الحسن ويترك القبيح لذاتهما بصرف النظر عما ينتج عن ذلك من جلب المنافع ودفع المضار. يعرف ذلك العقلاء والصبيان دون ما حاجة إلى شرع. ويستطيع الخاصة الوصول إلى ذلك إن لم تستطع العامة الوصول إليه. فاتفاق العقلاء على حقائق بديهية يوجب الملاءمة والمنافرة والكمال والنقص، ويدل على بداهة هذه الحقائق وإلا أصبح السلوك الأخلاقي نفعيا أو ذاتيا صرفا وهدم الأساس الموضوعي له.

من العقيدة إلى الثورة (٣): العَدل · الصفحة ١٢٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من العقيدة إلى الثورة (٣): العَدلص ١٢٥