6
والحقيقة أن إنكار الصفات الموضوعية للأفعال يؤدي إلى هدم العقل والشرع وإنكار حرية الأفعال. فإذا نهى الله عن العدل والإنصاف فإنه يكون قبيحا، وإذا أمر بالظلم فإنه يكون حسنا يكون هذا قلبا للحقائق، وهدما للعقل وللمعرفة الإنسانية. إن إنكار موضوعية القيم وإلحاقها بإرادة مشخصة وقوع في النسبية الإنسانية المطلقة التي يدينها الوحي والتي تؤدي إلى إنكار القيم واستقلال القوانين وثبوتها، ويؤدي الأمر كله إلى تحكم الله في عالم نسبي، يكون هو المسئول عن نسبيته، بتبعية العالم لإرادته. كما أن اعتبار الوجود خاليا من القيمة لهو فضل للقيمة عن الوجود واعتبار الوجود ماديا صرفا والقيمة من خارجه.
7
ويظل عقل الإنسان قاصرا في حاجة إلى وحي ليخبره عن الحسن والقبح دون ما اعتماد على العقل. ولما كان العقل أساس الشرع بطلت الشرائع. كما لا يكون الله حكيما عاقلا، بل يخضع لمجرد إرادة هوائية انفعالية صرفة وهو ما يعني العبث. بل ويلزم اتصاله بالجهل لما كان الجهل ليس قبيحا في ذاته، مع أن وصفنا له بصفات الكمال إنما لأن العلم والقدرة صفات حسنة في ذاتها.
8
وقد سمي الحكيم حكيما لاتصافه بالفضائل واجتنابه الرذائل. ولو تشبه الحاكم بالله وأخذ مكانه وتخفى وراءه وحكم باسمه ونفذ إرادته وكان خليفته كما هو الحال في مجتمعاتنا المعاصرة فتضيع الحقائق وتخضع لإرادات الحكام وقرارات الرؤساء. فالحسن ما يقرره الحاكم والناس وراءه، والقبيح ما ينهى عنه الحاكم والمنظرون يؤولون ويبررون.
9
ونظرا لغياب الصفات الموضوعية للأفعال فقد يصبح الشيء حسنا وقبيحا في الوقت نفسه، يؤمر به البعض وينهى عنه آخرون، وبالتالي تبطل العلل والصفات، وينتهي الحوار والإجماع، ولا يتبقى إلا صراع الإرادات المتنافرة والقوى المتصارعة، فنعيش في عالم القوة وليس في عالم العقل. ويهدم الشرع إذ يمكن حينئذ أن يقوم على الجمع بين الصفات المتناقضة، وأن يكون هذا الفعل حسنا وذاك الفعل قبيحا بالرغم من اشتراكهما في الصفات نفسها، أو أن يكون هذا الفعل حسنا وذاك الفعل الآخر حسنا، أو هذا الفعل قبيحا وذلك الفعل الآخر قبيحا بالرغم من اختلافهما في الصفات. وإذا استحال إدراك صفات الأشياء ومعانيها فإنه يستحيل الاستدلال منها على الصانع. وأن وجود شيء ليس بذي دلالة حاضرة لا يعني أنه خال من الدلالة في المستقبل. فكل ما في هذا العالم للاعتبار، في كل شيء آية، ولكل شيء معنى، ولا شيء بدون معنى وإلا كنا في عالم العبث واللامعقول.
10
فإن كان في إنكار صفات الأفعال الذاتية قضاء على العقل وهدم للشرع فإن فيه أيضا هدما للحرية لما كان الفعل اتفاقا مع الأمر دون الإرادة؛ وبالتالي يكون هدما كليا وشاملا لأصل العدل بشقيه، الحرية والعقل. إن إنكار موضوعية القيم واستقلال القوانين الخلقية لتضحية بالوضع الإنساني في إثبات الحق الإلهي على حساب الإنسان؛ فهي خيانة للإنسان وجنابة عليه، وتقرب إلى الله وزلفى إليه. (2) إثبات صفات الأفعال
الحسن والقبح صفتان للأفعال وليسا مجرد أوامر ونواهي خارجية تعبيرا عن إرادة مطلقة، يتغيران بتغيرها، بل وكل منهما صفة مستقلة لا تتحدد إحداهما بغياب الأخرى أو بالغلبة عليها.
11
لا يعني الحسن مجرد غياب القبيح كما أن القبيح لا يعني مجرد غياب الحسن. الحسن حسن لصفة زائدة على الفعل، والقبيح قبيح لصفة زائدة على الفعل. الحسن صفة زائدة، ولا يأتي تعريفه بالرجوع إلى أحكامه، بل إلى الفعل ذاته. الأحكام تالية للصفات والصفات سابقة على الأحكام وأساس لها.
12
الصفة الزائدة على وجود الفعل والتي يكون بها الفعل حسنا أو قبيحا هي ما سماه الأصوليون العلة بأقسامها المختلفة، المؤثرة أو المناسبة أو الملائمة والتي حاولوا معرفتها بطرق استقصاء العلة المعروفة في أبحاث القياس والاجتهاد. هذه الصفات الزائدة ليست عقلية مجردة بل مواقف حسية كما هو الحال في العلل في علم الأصول. وتعليل الأحكام ضروري لاكتشاف الأساس الواقعي للنص وبالتالي يكون إنكار صفات الأفعال إنكارا للتعليل وهدما لعلم الأصول. وتوجد الصفة الزائدة في الأفعال التي تستحق المدح أو الذم عند الفعل أو الترك مثل الواجب والمندوب والمكروه والمحرم. أما المباح فليس له صفة زائدة يتعلق بها حكم بل حكمه في وجوده وشرعيته في طبيعته. الصفات الزائدة في الأوامر والنواهي المطلقة مثل الواجب والمحرم، أو الاختيارية؛ المندوب والمكروه. أما المباح فحسنه في فعله لا في صفته، في طبيعته لا في حكمه.