84
وهذا هو معنى التكليف؛ إذ يعني التكليف أن للإنسان رسالة في الحياة، وأنه هو الذي قبلها باختيارها بما أنه سيد الكون وملك الطبيعة بما لديه من قدرة على القرار والاختيار الحر، وبما لديه من قوة على التحقيق، قوة معنوية تطلق من حدوده البدنية وتجعله أقوى من السموات والأرض والجبال.
85
وكما تم هذا التكليف بحرية الإنسان وبإرادته، فإنه في الوقت نفسه يتحقق بحرية تامة دون قدر مسبق في علم مسبق أو بإرادة شاملة لوجود مطلق تفعل كل شيء. إن هذا التكليف ذاته عملية تحرر لولاها لارتكن الإنسان إلى بدنه، وتحول إلى طبيعة خالصة كسائر الموجودات ولأصابه الوهن والثقل واعتراه الخمول والسكون.
86
وقد يعبر عن رسالة الإنسان في الحياة فنيا بالصورة فتنشأ الأخرويات وتكون الحياة الدنيا دار عمل والأخرى دار جزاء. وقد تتحول رسالة الإنسان في الحياة إلى صورة كونية أخرى، فينشأ الإنسان في الوجود غافلا ويستمر كذلك في جو من النعيم الدائم كالملاك، ثم يختار البعض منهم رسالته ويأتي إلى الحياة ليحققها؛ فمن حقق رسالته ارتفع إلى أعلى عليين في مكانة أفضل من الذين استمروا في النعيم الدائم لأنهم حصلوا على جزائهم بجهدهم لا بخلقهم. وإذا لم يحققوا الرسالة هبطوا أسفل سافلين. تسلب منهم الرسالة ويتحولون إلى أقل مرتبة في الوجود، وهي مرتبة غياب الوعي وانعدام حياة الشعور. ثم تعطى لهم فرصة ثانية للاختيار والتكليف، وهكذا تستمر الحياة تكليفا برسالة ونجاحا أو فشلا في التحقيق، بلا نهاية وبلا يأس، وتستمر العملية طالما بقي الزمان.
87
وتحقيق رسالة الإنسان في الحياة تعبير عن طبيعته وحريته دون انتظار أي جزاء. يكفي كمال الإنسان وازدهاره، وخلقه وإبداعه، وشوقه إلى الغاية وعمله لها. الإنسان بطبيعته حياة وحركة، وخلق وإبداع، وتمدد وازدهار.
88
يحقق الإنسان رسالته طبقا لطبيعته، ويتحدد سلوكه طبقا للدافع الأقوى، ويتحدد الدافع الأقوى باختلاف شدة البواعث أو بتفاوت الوضوح الفكري أو باختلاف درجات الكمال في الغاية. لا تعني الطبيعة نفي الحرية، بل تأسيس الحرية على أساس واقعي من التجربة وبناء على الإحساس بالحياة كدافع حيوي. ليست الحرية اختيارا عقليا صوريا بين طرفين متساويين في البواعث، بل هي اتباع للطبيعة، أي للباعث الأقوى، تعبيرا عن الدافع الحيوي. ولما كان الإنسان رسالته، وكانت رسالته وجوده، فإن الحرية تحقيق لهذه الرسالة، وحياته تعبير عن هذا الوجود، الحرية كمال للطبيعة.
89
ليست الحرية واقعة مادية توجد أو لا توجد، بل هي عملية تحرر يشعر بها الإنسان، قد توجد وقد لا توجد، وكذلك الوجود الإنساني قد يشعر به الإنسان وقد لا يشعر، وكما أن الوجود إيجاد، فالحرية تحرر. ولما كان الإنسان مجرد إمكانية تحقق أو مشروع وجود، فكذلك الحرية مجرد إمكانية حرية أو مشروع تحرر. فالموقف الإنساني يفرض على الإنسان وضعه، ولكن الفعل الحر قادر على أن يظهر من خلال هذا الوضع. تقف الحرية في مواجهة الحتمية، والاختيار الحر في وجه الأوضاع القائمة. ممارسة الحرية إذن هي في القدرة على إيجاد البدائل المفروضة وتحرير الفعل الإنساني من نطاق الفرض إلى نطاق الاختيار، ومن ميدان الضرورة إلى ميدان الحرية. ولا ينشأ الجبر إلا إذا تخلى الإنسان عن وجوده الذي هو حريته، ولا ينشأ الطاغية إلا إذا تخلت الجماعة عن حريتها التي هي وجودها. صحيح أن هناك صلة بين الحرية والخبز عامة وشائعة، إلا أنها ليست صلة حتمية. قد يتنازل الإنسان عن الخبز ولا يتنازل عن الحرية.
90
فالوعي مملكة الإنسان، مهما كانت هناك من تحديدات خارجية له، إلا أنه يظل فعل الإنسان الحر واختياره الأول.
ويستطيع الإنسان أن يمارس حريته بعدد من الصور، ومهما تعددت العقبات أمامه، فإن الحرية تظل ممارسة لا تغيب عنه أبدا إلا برغبة في النكوص أو تبريرا لضعف أو هروبا من موقف أو تخليا عن رسالة. الممارسة المثلى للحرية هي الممارسة لها في أكمل صورها، ممارسة فعلية بالعمل لتغيير الواقع، والجهر بالقول، وتمثل الشعور المستمر للغاية، فإن استحال العمل في الواقع لوجود موانع بدنية أو لصعوبة الحركة مارس الإنسان حريته بالقول الجهور، ونشر الوعي، وإيضاح ضرورة التغيير. يكون الحق على الأقل واضحا على مستوى النظر، وإذا انتشر النظر وضح الفصم بين النظر والواقع، فظهرت ضرورة الفعل لتجاوز هذا الفصم والتوحيد بين النظر والعمل، بين المثال والواقع. إذا صعبت حرية العمل، وقامت العقبات، واستحالت الحركة فإن الحرية تمارس بالقول ورفض الواقع بالكلمة. فإذا صعبت حرية القول أيضا، وقامت العقبات أمام حرية التعبير تمارس الحرية بالشعور، ويظل الشعور حرا بإحساساته وعواطفه وانفعالاته، فالشعور مملكة الإنسان الخاصة التي لا تستطيع العقبات الخارجية أن تنال منها. ولا تضمر حرية الشعور إلا إذا خفت البواعث واضمحلت الغاية وخفت الطاقة. فإن ضاعت حرية الضمير ضاع الإنسان، وعدم الوجود، وانتهت الغائية، وتحولت إلى تناقص أو عشوائية، وانتهى كل شيء.