تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

22

ويتناول الأفغاني قيم الزراعة والصناعة والتجارة؛ فالزرع قيمة. ولولا الزرع ولولا القرع ما كان سرف الأغنياء ولا ترف الأمراء، والصناعة قيمة. وموقف الزراع والصناع من الحضارة أنفع من موقف الإمارة، أما التجارة فهي فضيلة واحدة بصرف النظر عن المتاجر فيه. فبائع الدر وبائع الفحم يتساويان بالاسم ويختلفان بقدر المباع، والتجارة فضيلة إنسانية وإلهية. لذلك استعملها القرآن لشرح العلاقة بين الإنسان والله للمجتمع التجاري دون نقد أخلاق التجار كما يفعل ابن خلدون.

23

ثم ينتقل الأفغاني من الفضائل الاجتماعية والاقتصادية إلى الفضائل السياسية: النخبوية، والسلطة، والعدل، والديمقراطية، والأمة. فالنخبوية فضيلة. والحق مع الأقلية وليس مع الأكثرية دائما أو على الأقل أحيانا، والدليل خروج الحق عما ألفته الأكثرية، وقدرة الأقلية على تغييره. واعتناق الأكثرية المألوف أحيانا لا يفيد؛ إذ يتحول إلى تقليد بلا برهان. وقد انتشرت الحقائق بأفراد قلائل، وقاومها المجموع، لم يتجرأ أحد على مقاومة جوبتر وانتهت ديانته. وموسى كفر بألوهية فرعون. وعيسى كان معه نفر قليل من الحواريين ضد مجموع اليهود. ومحمد آمن معه نفر قليل وقاومه الجموع، والملايين اليوم تدين باليهودية وبالمسيحية وبالإسلام. والسبب في ذلك أن تعاليمهم جاءت موافقة لروح البشرية. هي حق في ذاتها حتى ولو خالفت المألوف. وقد اعتنق المخالفون لهذه الديانات الثلاث هذه الديانات بعد ذلك بفضل الصمود للمؤمنين الأوائل. وكانت الدعوة للحرية في فرنسا من الأقلية، وسالت من أجلها الدماء. وكذلك كانت دعوى الاشتراكية وإن قل أنصارها فإنها ستسود العالم يوم يعم فيه العلم الصحيح وتسود البشرية روح الإخاء والمساواة. إنما يحتاج الأمر إلى الشجاعة والبسالة والجهر بالحق كما قال المسيح

بيتي بيت الصلاة يدعى، وأنتم جعلتموه مغارة للصوص . وكسر محمد الأصنام، وأبى قبول الملك من قريش. وأصر موسى أمام فرعون على إخراج اليهود من مصر. الأقلية تعلن، والأكثرية تستجيب. والساكت عن الحق شيطان أخرس. ولا يوجد في هذا الكون من القول أو الفعل ما يستدعي الكتمان إلا ما كان في علانيته مضرا. الإعلان كمال للبشر، والكتمان نقص، ولا خير في دولة تعتم عن أمتها أمورها.

من أحب فليعلن . والمحبة معنى مطلق، أي حب الخير والمعرفة للناس. حب الصدق الجهر به، وحب الكذب كتمانه، وحب الخير إعلان عنه والقبيح فقط هو الذي يتم التستر عليه. لذلك عرفت المروءة بأنها عدم العمل في السر ما يستحى منه في العلانية. ولما كانت الحاجة من حيث هي حاجة ذلا، والذل من حيث هو ذل قبيحا فإن أقل الناس حوائج أكثرهم جهرا، وأكثرهم حوائج أكثرهم كتمانا. وقد كانت أقصى مطالب ديوجينس وهو في برميله ألا يحول أحد بينه وبين الشمس كما طلب من الإسكندر. فالطبيعة ملك الجميع، والشمس تعلن عن أشعتها جهرا للجميع.

24

ثم يتناول الأفغاني قضية السلطة، فيميز بين السلطتين الزمنية والروحية، أي السياسية والدينية ثم يوحد بينهما؛ إذ لا يستغني البشر عن سلطتين زمنية وروحية، غايتهما واحدة، وجوهرهما واحد، وأصلهما واحد. وإذا طرأ على أحدهما الخلل يعمل الآخر على إصلاحه. السلطة الزمنية، ملكا أو سلطانا، تستمد قوتها من الأمة لقمع الشر وصيانة الحقوق العامة والخاصة، وتوفير الراحة للجميع، والسهر على الأمن، وإقامة العدل، ورعاية المنافع العامة. فإذا ما جهلت السلطة وعتت وفسدت فإنها تتحول إلى تسلط، وتصبح مشيئة الملوك قانون المملكة. ومن هنا لزمت مقاومة الشعب لاسترداد إرادته وحريته بعد أن أكره عليها وإلا ظل الشعب كالأنعام السائمة. والسلطة الروحية تعني كل ما للدين من نفوذ معنوي. وهي قوة أحيانا أقوى من السلاطين والشرطة. هي القضاء العادل. تقف بالمرصاد للسلطة الزمنية، تراقبها وترشدها، وتقتص منها في حالة انتهاك المحرمات وسفك الدماء. فإذا انحرفت تمت مقاومتها لإرجاعها إلى الصواب.

جمال الدين الأفغاني: المئوية الأولى ١٨٩٧–١٩٩٧ · الصفحة ٤٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

جمال الدين الأفغاني: المئوية الأولى ١٨٩٧–١٩٩٧ص ٤٥