تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون . فالرذائل تورث العداوة والبغضاء، والخلاف والشقاق تقضي على الأمة، وتجعل البأس بينها شديدا

وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد . هذه علل الخراب. وقد ظهرت في طائفة الدهيرومنك في الهند المعروفين عند الأوروبيين بطائفة باريا

قل سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلكم . فالفضائل والرذائل ليست فقط فردية أو اجتماعية أو اقتصادية أو سياسية، بل هي أيضا قوانين للتاريخ، لنهضة الشعوب وسقوطها. فحياة كل أمة بيدها. يبدأ التغير منها

إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم . والشر من النفس

وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم . وتلك مهمة العلماء

ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون ،

فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون . ووعد الله حق

وكان حقا علينا نصر المؤمنين . وإن لم يبدأ الأفغاني بآية قرآنية تغني عن قانون التاريخ فإنه يضع هذا القانون بالعقل والتجربة. ثم يبدأ ببيان تجليات هذا القانون العام في الأفراد والمجتمعات والتاريخ. ففي مقاله عن

الأنا

يبدأ بتعريف الممكن مع وضع مقدمات تنتهي إلى إثبات الموضوع، وهو أن السعادة ممكنة التحقيق مثل الصحة للبدن التي تقوم على الاعتدال والتناسب كما تقوم العلاقات الدولية على المحافظة على الحقوق المتبادلة بينها.

19

وأهم فضيلة اجتماعية هي الاشتراكية. وهي نوعان اشتراكية غربية مادية تقوم على الصراع، واشتراكية إسلامية روحية تقوم على المحبة والإخاء. الاشتراكية في الغرب تؤدي إلى الضرر مثلما تؤدي إلى النفع؛ لأنها تقوم على حاجة الانتقام من جور الحكام وعوامل الحسد في العمال من أصحاب رءوس الأموال، وكرد فعل على حياة البذخ والترف. فكل إفراط يؤدي إلى تفريط. وينتهي الأمر إلى فوضى في الغرب تنتقل إلى الشرق. الشركة شرك. إذا لم يصطد الشركاء غيرهم اصطادوا بعضهم.

20

أما اشتراكية الإسلام فإنها نابعة من الإسلام. عمل بها الخلفاء، وهي من مقتضيات البداوة، أي أنها محلية وليست وافدة من الغرب. اشتهر بها حاتم الطائي في السنوات المجدبة. ذبح فرسه لإطعام امرأة وأطفالها الجياع. وتبرع طلحة الطلحات بسيفه وفرسه ورمحه وجهز ألف فارس. تظل الثروة مع الأفراد ولكن مع حسن استعمالها حتى تصبح الاشتراكية أمرا مقبولا، لا أنانية ولا أثرة، لا استطالة على الفقير، ولا عدوان على الغني. وهي قائمة على القرآن، مساواة الجميع أمام الله والحمد لله رب العالمين. وقد خاطب القرآن القادة والغزاة وأرباب القوة مؤكدا حق الجميع في الثروة

واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل إن كنتم آمنتم بالله وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم التقى الجمعان والله على كل شيء قدير . فالله والرسول وذو القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل لهم نصيب من المال. كما نقد القرآن اكتناز الذهب والفضة. وعقد الرسول الإخاء بين المهاجرين والأنصار، وأشركهم في الأموال. وخير الأمور الوسط. والزكاة من أركان الإسلام بالإضافة إلى الغنائم والصدقات. وحرم الربا

الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا وأحل الله البيع وحرم الربا فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون * يمحق الله الربا ويربي الصدقات والله لا يحب كل كفار أثيم . وأيضا

يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة واتقوا الله لعلكم تفلحون . وحث الإسلام على الصدقات

جمال الدين الأفغاني: المئوية الأولى ١٨٩٧–١٩٩٧ · الصفحة ٤٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

جمال الدين الأفغاني: المئوية الأولى ١٨٩٧–١٩٩٧ص ٤٣