تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أين المسلمون اليوم من هذا الإقدام وتلك الهمة؟

30

الفصل الرابع

| الأخلاق الفردية والاجتماعية

(1) الفضائل الفردية

إن أهم ما يميز الإنسان على الحيوان هو الفضائل والأخلاق؛ فلا خير في إنسان يفضله الحيوان، فالإنسان حيوان أخلاقي، والأخلاق هي التي تدل على الإنسان وتعبر عن جوهره. فأنم شيء على الإنسان فضيلته ورذيلته.

1

وميسور على الإنسان فعل الأسود، وممتنع على الأسود عمل الإنسان، والإنسان مثل الحيوان قوة، والحيوان ليس كالإنسان فضيلة.

ويفسر الأفغاني مقولتي الحسن والقبح تفسيرا أخلاقيا مثل المعتزلة القدماء، مشيرا بهما إلى الفضائل والرذائل. فالفضائل سجايا للنفس للتأليف والتوفيق كالسخاء والعفة والحياء. أما الرذائل فهي كيفيات خبيثة تعرض للأنفس، تحلل وتفرق؛ كالقحة، والبذاءة، والسفه، والبله، والطيش، والتهور، والجبن، والدناءة، والجوع، والحقد، والحسد، والكبرياء، والعجب، واللجاج، والسخرية، والغدر، والخيانة، والكذب، والنفاق.

2

والغريب أن الأفغاني يجعل الأحكام بالحسن أو بالقبح نسبية على عكس المعتزلة، مرتبطة بحالة الإنسان في الرضى والغضب. فمن الغرائب في طبائع الإنسان أنه إذا رضي استحسن القبيح واستسهل الصعب، وإذا غضب عكس الأمر فيستقبح الحسن ويستصعب السهل. فلو مزج الإنسان ساعة رضاه في ساعة غضبه لوقع على الهيئة المتوسطة وفاز بالفضيلة، فالحكم بالحسن والقبح يتبع الحالة الشعورية للإنسان، ولما كان الشعور في حالتين متعارضتين كما هو الحال في أحوال الصوفية فإن الإنسان يصدر حكما في حالة التوسط بينهما، وهي حالة افتراضية صرفة؛ إذ إن الحكم الأخلاقي لا ينتظر هذه الحالة المتعادلة، ولا يصدر طبقا لهذه القسمة الحسابية. ويضرب الأفغاني المثل على نسبية الحقائق والأحكام بأن لكل خط طرفين، ولكل إنسان وجها وقفا، وهما الفضيلة والرذيلة. الفضيلة وجهه، والرذيلة قفاه. لذلك يختلف الحكم على الأشخاص باختلاف الزمان والمكان والموقف وقصد القائل، مما يجعل الإنسان قادرا على الاقتناع بالشيء وضده في موقفين مختلفين. ويؤصل الأفغاني هذه النسبية - على عكس ما هو شائع - في حياة الرسول. فقد تعامل مع أبي سفيان بطريقتين: إذلاله بعبور جيش المسلمين أمامه، وإكرامه بعد الفتح؛ لأنه من سادة قريش. وأثنى على تبختر أبي دجانة طالبا

قريش

للمبارزة، كما أثنى على الخل باعتباره نعم الأدم تطييبا لقلب الفقير.

3

ثم يعدد الأفغاني بعض الرذائل وبعض الفضائل الفردية وآثارها على حياة الأفراد والجماعات. وربما تكرر البعض منها في

الرد على الدهريين . منها الجبن والذل؛ فالجبن لا يغني والشجاعة لا تفقر. والجبن أقبح عيوب الملوك؛ إذ يحتاج الملك الجبان إلى الصعلوك الشجاع، وبالتالي يستمد الملك الجبان وجوده من الرعية الشجاعة، ومن ثم يكون الجبن والشجاعة نقيضين، الجبن من الرذائل والشجاعة من الفضائل. ومن دواعي الذل المسكنة، والسؤدد مع عزة النفس. وأصغر الناس من يطلب موت الناس ليحيا، وأعظمهم من يستميت ليحيا ولو واحد من الناس. فالحقارة أنانية، حياة الفرد ولو مات الآخرون، والشهادة غيرية، موت الفرد ليحيا المجموع. والتسفل أيسر من الترفع؛ لأن الترفع يحتاج إلى جهد ومعاناة وضبط للنفس. وساقط الهمة من علم موقع الفضيلة وصدق الدعوة ولم يبادر إليها بل ينتظر أن يكون تابعا مقلدا لغيره فيهما. وخبث النفس من الرذائل، ومن خبثت نفسه لان ملمسه وكثر ختله وخداعه. ومن الرذائل الإسراف في سوء استعمال الصحة. فإسراف الإنسان بصحته أضر من إسرافه بثروته. فالثروة تعوض، والصحة لا تعوض. ومن الأدواء والأمراض ما هي عند أكثر الناس نعمة تفوق نعمة العافية. ومثال الأمراض النفسية جمع المال مع صعوبة التمتع به وتربية الأولاد ثم استطالتهم على الأبوين. ووباء الغرض أفتك من دواء الأمراض؛ لأن فساد النية أخطر من فساد الجسد.

جمال الدين الأفغاني: المئوية الأولى ١٨٩٧–١٩٩٧ · الصفحة ٣٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

جمال الدين الأفغاني: المئوية الأولى ١٨٩٧–١٩٩٧ص ٣٧