تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكان المصريون أيام عرابي قسمين، قسم من أنصار توفيق وقسم يميل إلى عرابي. الأول فشل، والثاني ارتاب، ولا عزيمة مع الشك. فدخل الإنجليز مصر بلا حرب، بالترهيب والترغيب والدسائس. فتفرق الناس عن عرابي، وأوهموا أن الإنجليز يؤيدون توفيق. فتساهل المصريون معهم، وأحسنوا الظن بالإنجليز. فاستقرت أقدامهم مع أنه لا يوجد أحد من المصريين يميل إليهم. بل هناك من يبغضهم. لكن الوهم يكبح العزيمة. ذهل المصريون عن الأسباب التي مكنت الإنجليز من البلاد ظانين أنهم على كلمة واحدة في مدافعة الإنجليز مع أن الإنجليز دخلوا بمعونتهم. احتلت مصر بالوهم، وهم أن العساكر قادرة على قهر الأهالي، فاستسلموا، مع أن إنجلترا لا تستطيع أن ترسل إلى مصر أو السودان أكثر من عشرين ألف جندي لا يستطيعون مقاومة المصريين والسودانيين على سواحل مصر وبحيراتها. صحيح أن للإنجليز قوة بحرية ظهرت في سواكن ولكنها تعجز عن العمل أكثر من فرسخين مع مناوأة الأهالي لهم من الأرض. لكن الوهم حجب الأبصار. وقد أزال الأوروبيون الوهم عن أبصارهم، وأدركوا ضعف الإنجليز، كذلك على الشرقيين إزالة الوهم وعدم استبدال سيد بسيد.

16

لا يستطيع الوهم أن يغلب الحقائق مثل خداع الشرقيين والمكر بهم. فللوهم آثار قوية في الأمم الضعيفة، له سلطان على الإرادة وحكم على العزيمة. يذهل الواهم عن نفسه ويصرفه عن حسه، يخيل الموجود معدوما، والمعدوم موجودا. الوهم كون غير موجود، وعالم غير مشهود. هو روح خبيث يلابس النفس وهي في ظلام الجهل. إذا خضعت الحقائق سادت الأوهام، وتسلطت على الإرادات فقاد إلى الضلالة.

17

ويرتبط الوهم بالجبن. فالجبن أب الوهم ومربيه. ويبدأ مقاله عن

الجبن

كالعادة بآيتين قرآنيتين

أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة ،

قل إن الموت الذي تفرون منه فإنه ملاقيكم ، وهو الذي قضى على دعائم الملك، وقطع روابط الأمم، وأوهن عزائم الملوك، وأضعف قلوب الناس. يسهل على النفوس تحمل الذل والعبودية والهوان، وتلقي الإهانة بالصبر وطأطأة الرأس. الجبن عار، وتخاذل النفس عن المقاومة مرض نفسي، يرجع إلى الخوف من الموت

وما تدري نفس بأي أرض تموت . الجبن فخ ينصبه الدهر، يدفع إلى خيانة الأوطان، والكذب والنفاق.

من يهن يسهل الهوان عليه

ما لجرح بميت إيلام

والمسلمون أبعد الناس عنه. فلكل أجل كتاب

ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة فلما كتب عليهم القتال إذا فريق منهم يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية وقالوا ربنا لم كتبت علينا القتال لولا أخرتنا إلى أجل قريب ،

الإقدام في سبيل الحق سمة المؤمنين، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مهمة العلماء دون خوف أو جبن. وفرقعة السيوف بغير فتك، والتبختر بلامة الحرب إبان السلم من الأدلة على الجبن في مواطن القتال. الجبن لا يغني، والشجاعة لا تفقر، فلم الجبن دون الشجاعة؟ لولا الوهم والجبن لما احتل الإنجليز الشرق. ولو أدرك الشرقيون قوتهم الطبيعية لانكشف ضعف الإنجليز. ربح الإنجليز بالمكر والحيلة، وخسرت الأمة بالجبن والوهم. كان الإنجليز أمة مجتمعة القوة مستكملة العدد مستعدة للفتوحات، والشرقيون مغرقون في حجب الجهل بالصنائع، فأعدوا كل غريب معجزة، وكل بديع سحرا أو كرامة. فإذا انتهز الإنجليز الفرصة وسيطروا على الشرق، على الأمة إذن التحرر من الوهم والجبن، وأن تعود كما كانت أسودا تسترد المفقود وتحافظ على الموجود.

18

والوهم مثل الجهل ضد العقل والعلم. فما استحكم الجهل إلا وتفرقت الكلمة. ووجود الجهل في غياب العلم، وإذا وجد العلم غاب الجهل. وإذا خلا الميدان من العقلاء تسابق الجهلاء. وإذا ساد الجهال ساءت الأحوال. والجاهل الحي ميت، والعالم الميت حي. والعالم الفقير غني بعلمه، والغني الجاهل فقير بجهله. وانهزام العقلاء أمام الجهلاء أولى من الظفر بهم. وشر الأزمنة أن ينبح الجاهل ويسكت العاقل. فالجاهل أعلى صوتا والعالم أكثر صمتا.

جمال الدين الأفغاني: المئوية الأولى ١٨٩٧–١٩٩٧ · الصفحة ٣٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

جمال الدين الأفغاني: المئوية الأولى ١٨٩٧–١٩٩٧ص ٣٤