تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

19

تحفظ وتدون ويضرب بها المثل كالحكم والأمثال العامية. وكان السبب في اختيار هذا النوع الأدبي يحمي صاحبه من اضطهاد السلاطين، ويحميه من شدة المراقبة وكثرة الجواسيس والافتراء على الأبرياء.

وسبب نشره أن الأفغاني استقدم من إنجلترا إلى الآستانة ولم يكن له من الآثار المطبوعة أو غير المطبوعة نظرا لانشغاله بالمقاومة لكل صنوف القهر ومناهضة الحكام وتحمل جورهم في سبيل نهضة الشرق دفاعا عن الحرية والعدل. فلازمه المخزومي، وأبدى رغبته في التدوين. ووافق عليها الأفغاني أخيرا. وسمح له بالسؤال عما يريد

اكتب ما تسمع واحفظ ما تراه

مع التحذير من خطر النشر ومخاطر الطاغية وجواسيس عبد الحميد وعناد أهل الجمود وقلبهم للحقائق. فهم في كل زمان ومكان سبب هلاك الناس حتى يظهر الحق من أناس آخرين ناقدين باحثين؛ فالبحث التاريخي قادر على إجلاء الحقيقة.

تأخر الكتاب في النشر ما يقرب من ثلث قرن. كان يمكن نشره بعد صدور الدستور العثماني بناء على طلب العلماء في مصر والهند ولكن حال الأحزاب في الشرق ينطبق أيضا على جمعية الاتحاد والترقي، أي الإهمال. ثم تكرر الطلب مرة أخرى للنشر عام 1912م، ولكن انقلب الجو السياسي، وتنمر الاتحاديون مع أن الأفغاني لا يهاجم الأشخاص أو المؤسسات أو يدعو إلى قلب نظم الحكم بل ينقد الأوضاع. ولما اندلعت الحرب الأوروبية الأولى قطع الحلفاء تركيا إلى دويلات فتم تأجيل النشر.

20

وبالرغم من أعجمية الأفغاني ومرونته في الالتزام بقواعد اللغة إلا أن العروبة هي اللسان وليست العرق حتى لقد قال الفيروزآبادي

خذوا لغتكم من أعجمي .

21

وما يعيبها فقط أنها بطبيعتها موضوعات متفرقة غير مرتبة، وأجوبة على أسئلة كما هو الحال في الفقه القديم في أحكام السؤال والجواب. وهنا تبرز صعوبة التبويب المستقل لها عن باقي موضوعات الأفغاني في مقالاته في العروة الوثقى أو حتى في رسالته في الرد على الدهريين. يمكن دراسة أشكالها الأدبية في إطار آداب الشرق القديمة، ويمكن دراسة مضامينها الأخلاقية والاجتماعية والسياسية وإعادة ترتيبها داخل موضوعاتها كتأكيد على وضوح الفكر وبلاغة التعبير.

وصعوبة العروة الوثقى أنها تمثل روح الأفغاني وصياغة محمد عبده كما هو الحال في محاورات أفلاطون، روح سقراط وصياغة أفلاطون، وكما هو الحال في الأناجيل، روح المسيح وصياغات كتاب الأناجيل. ومع ذلك جرت العادة على نسبتها إلى الأفغاني. فالروح أقرب إلى الفكر، والصياغة مجرد ألفاظ وعبارات، بالرغم من الصلة الوثيقة بين المعاني والألفاظ. صدر منها ثمانية عشر عددا ابتداء من 13 / 3 / 1984 حتى 16 / 10 / 1984م على مدى سبعة أشهر من عام واحد بعد الثورة العرابية بما يقرب من عامين. أصدرها بناء على تكليف من جمعية

العروة الوثقى

لإنشاء جريدة تدعو المسلمين إلى الوحدة تحت لواء الخلافة.

أنواعها الأدبية متعددة، بين المقال والخبر والتحليل السياسي والفن الأدبي مثل الأعجوبة والأسطورة والغريبة ... إلخ. وأهمها المقال الذي يتراوح بين العرض النظري وهو المقال الفكري الإصلاحي الذي يعزى أحيانا إلى محمد عبده، والخطبة الإنشائية الحماسية الموجهة مباشرة إلى الجمهور للحث على الثورة ضد إنجلترا في مصر والسودان والهند والأفغان. وغالبا ما يبدأ المقال بآية قرآنية بمفردها، وهو الأغلب أو بحديث نبوي وهو الأقل.

22

وأحيانا يبدأ بالآية القرآنية دون عنوان للمقال، وهو الأغلب، أو مع عنوان في عبارة، أو في مجرد لفظ واحد، وهو الأقل، وهذا يدل على منهج الأفغاني في التفسير؛ فإنه يبدأ بالآية، وهو الأغلب، أو الحديث، وهو الأقل، ويفسرها باللجوء إلى التجربة الفردية أو الجماعية ويحولها إلى قانون نفسي أو اجتماعي أو تاريخي وكأن الآية هي الواقع، وحكم الشرع هو قانون التاريخ. لا يستنبط معنى الآية من النص عن طريق قواعد اللغة العربية كما يفعل المفسرون بل يستقرئ التجارب والحوادث ليجد في العالم الخارجي تصديقا للآية كما هو الحال في المنهج التجريبي المعروف؛ فالواقع خير تصديق للوحي. وبتعبير القدماء يتبع الأفغاني منهج التأويل وليس التذيل، أي صعود المعاني من أسفل إلى أعلى وليس نزولها من أعلى إلى أسفل كما هو الحال عند الصوفية، وقد تم اختيار الآيات بعناية؛ لأنها هي التي تصوغ قانونا تاريخيا عاما يمكن التحقق من صدقه في الواقع. وهنا يتحول القرآن من قراءة إلى رؤية، ومن كلام إلى واقع، ومن عبارة إلى ثورة، ومن وحي إلى تاريخ.

جمال الدين الأفغاني: المئوية الأولى ١٨٩٧–١٩٩٧ · الصفحة ١٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

جمال الدين الأفغاني: المئوية الأولى ١٨٩٧–١٩٩٧ص ١٢